تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 604

مساهمون:

ص٦٠٤
دونك ما جنيته فأحس وذق وقال الزمخشري : الإذاقة واللباس استعارتان ، فما وجه صحتهما ؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس فما وجه صحة إيقاعها ؟ ( قلت ) : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها فيقولون : ذاق فلان البؤس والضر ، وإذاقة العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع . وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث . وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة : عما يغشى منهما وبلابس ، فكأنه قيل : فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف ، ولهم في نحو هذا طريقان : أحدهما : أن ينظروا فيه إلى المستعار له ، كما نظر إليه هاهنا ، ونحوه قول كثير :
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال
استعار الرداء للمعروف ، لأنه يصون عرض صاحبه ، صون الرداء لما يلقى عليه . ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال ، لا صفة الرداء ، نظرا إلى المستعار له . والثاني : أن ينظروا فيه إلى المستعار كقوله :
ينازعني ردائي عبد عمرو * رويدك يا أخا عمرو بن بكر
لي الشطر الذي ملكت يميني * ودونك فاعتجر منه بشطر
أراد بردائه سيفه ثم قال : فاعتجر منه بشطر ، فنظر إلى المستعار في لفظ : الاعتجار ، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقيل : فكساهم لبس الجوع والخوف ، ولقال كثير : ضافي الرداء إذا تبسم ضاحكا انتهى . وهو كلام حسن . ولما تقدم ذكر الأمن وإتيان الرزق ، قابلهما بالجوع الناشئ عن انقطاع الرزق وبالخوف . وقدم الجوع ليلي المتأخر وهو إتيان الرزق كقوله :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
« 1 » وأما قوله :
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
« 2 » فأما الذين شقوا ففي النار فقدم ما بدئ به وهما طريقان . وقرأ الجمهور : والخوف بالجرّ عطفا على الجوع . وروى العباس عن أبي عمرو : والخوف بالنصب عطفا على لباس . قال صاحب اللوامح : ويجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل . وقال الزمخشري : يجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، أصله ولباس
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : 3 / 106 . ( 2 ) سورة هود : 11 / 105 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 604 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل