تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
الجدال قول كل أحد من الأنبياء وغيرهم : نفسي نفسي . قال ابن عطية : وهذا ليس بجدال ولا احتجاج ، إنما هو مجرد رغبة . واختار الزمخشري هذا القول ، وركب معه ما قبله فقال : كأنه قيل يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره ، كل يقول : نفسي نفسي . ومعنى المجادلة الاعتذار عنها كقولهم :
هؤُلاءِ أَضَلُّونا
« 1 » و
ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
ونحو ذلك . وقال : يقال لعين الشيء وذاته نفسه ، وفي نقيضه غيره ، والنفس الجملة كما هي ، فالنفس الأولى هي الجملة ، والثانية عينها وذاتها . وقال ابن عطية : أي كل ذي نفس ، ثم أجرى الفعل على المضاف إليه المذكور ، فأثبت العلامة . ونفس الأولى هي النفس المعروفة ، والثانية هي بمعنى البدن كما تقول : نفس الشيء وعينه أي ذاته . وقال العسكري : الإنسان يسمى نفسا تقول العرب : ما جاءني إلا نفس واحدة أي : إنسان واحد . والنفس في الحقيقة لا تأتي ، لأنها هي الشيء الذي يعيش به الإنسان انتهى . ( فإن قلت ) : لم لم يتعد الفعل إلى الضمير ، لا إلى لفظ النفس ؟ ( قلت ) : منع من ذلك أنّ الفعل إذا لم يكن من باب ظن ، وفقد لا يتعدى فعل ظاهر فاعله ، ولا مضمره إلى مضمره المتصل ، فلذلك لم يجئ التركيب تجادل عنها ، ولذلك لا يجوز : ضربتها هند ولا هند ضربتها ، وإنما تقول : ضربت نفسها هند ، وضربت هند نفسها ، ما عملت أي : جزاء ما عملت من إحسان أو إساءة ، وأنث الفعل في تأتي ، والضمير في تجادل وفي عن نفسها ، وفي توفي ، وفي عملت ، حملا على معنى كل ، ولو روعي اللفظ لذكر . وقال الشاعر :
جادت عليها كل عين ثرة * فتركن كل حديقة كالدرهم
فأنث على المعنى . وما ذكر عن ابن عباس : أنّ الجدال هنا هو جدال الجسد للروح ، والروح للجسد لا يظهر قال : يقول الجسد : رب جاء الروح بأمرك به نطق لساني وأبصرت عيني ومشت رجلي ، فتقول الرّوح : أنت كسبت وعصيت لا أنا ، وأنت كنت الحامل وأنا المحمول ، فيقول اللّه عزّ وجل : أضرب لكما مثل أعمى حمل مقعدا إلى بستان فأصابا من ثماره ، فالعذاب عليكما . وعن ابن عباس ، ومجاهد ، وابن زيد ، وقتادة : أن القرية المضروب بها المثل مكة ، كانت لا تغزى ولا يغار عليها ، والأرزاق تجلب إليها ، وأنعم اللّه عليها بالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فكفرت ، فأصابها السنون والخوف . وسرايا الرسول وغزواته ضربت مثلا لغيرها مما يأتي بعدها . وهذا وإن كانت الآية مدنية ، وإن كانت مكية فجوع السنين وخوف
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 38 .