تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
على اسم الاستفهام ، وليس إضراب إبطال به هو لانتقال من شيء إلى شيء . ونبه تعالى بالسمع والبصر على الحواس لأنهما أشرفها ، ولما ذكر تعالى سبب إدامة الحياة وسبب انتفاع الحي بالحواس ، ذكر إنشاءه تعالى واختراعه للحي من الميت ، والميت من الحي ، وذلك من باهر قدرته ، وهو إخراج الضد من ضده . وتقدم تفسير ذلك ومن يدبر الأمر شامل لما تقدم من الأشياء الأربعة المذكورة ولغيرها ، والأمور التي يدبرها تعالى لا نهاية لها ، فلذلك جاء بالأمر الكلي بعد تفصيل بعض الأمور . واعترافهم بأنّ الرازق والمالك والمخرج والمدبر هو اللّه أي : لا يمكنهم إنكاره ولا المنافسة فيه . ومعنى أفلا تتقون : أفلا تخافون عقوبة اللّه في افترائكم وجعلكم الأصنام آلهة ؟ وقيل : أفلا تتعظون فتنتهون عن ما حذرت عنه تلك الموعظة .
فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
: فذلكم إشارة إلى من اختص بالأوصاف السابقة ، الحق الثابت الربوبية المستوجبة للعبادة ، واعتقاد اختصاصه بالألوهية لا أصنامكم المربوبة الباطلة . وما ذا استفهام معناه النفي ، ولذلك دخلت إلا ، وصحبه التقرير والتوبيخ ، كأنه قيل : ما بعد الحق إلا الضلال ، فالحق والضلال لا واسطة بينهما ، إذ هما نقيضان ، فمن يخطئ الحق وقع في الضلال . وما ذا مبتدأ تركبت ذا مع ما فصار مجموعهما استفهاما ، كأنه قيل : أي شيء . والخبر بعد الحق ، ويجوز أن يكون ذا موصولة ويكون خبر ما ، كأنه قيل : ما الذي بعد الحق ؟ وبعد صلة كذا . ولما ذكر تعالى تلك الصفات ، وأشار إلى أنّ المتصف بها هو اللّه ، وأنه مالكهم وأنه هو الحق ، ثم وبخهم على اتباع الضلال بعد وضوح الحق قال تعالى : فأنى تصرفون ، أي كيف يقع صرفكم بعد وضوح الحق وقيام حججه عن عبادة من يستحق العبادة ، وكيف تشركون معه غيره وهو لا يشاركه في شيء من تلك الأوصاف . واستنباط كون الشطرنج ضلالا من قوله : فما ذا بعد الحق إلا الضلال ، لا يكاد يظهر ، لأنّ الآية إنما مساقها في الكفر والإيمان وعبادة الأصنام وعبادة اللّه ، وليس مساقها في الأمور الفرعية التي تختلف فيها الشرائع ، وتختلف فيها أقوال علماء ملتنا . وقد تعلق الجبائي بهذه الآية في الرد على المجبرة إذ يقولون : إنه تعالى يصرف الكفار عن الإيمان . قال : لو كان كذلك ما قال : أنى تصرفون . كما لو أعمى بصر أحدهم لا يقول : إني عميت . كذلك الكاف للتشبيه في موضع نصب ، والإشارة بذلك قيل : إلى المصدر المفهوم من تصرفون ، مثل صرفهم عن الحق بعد الإقرار به في قوله : فسيقولون اللّه حق