تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
أداء شكر النعم ، ولا يقطعها عنكم لتفريطكم ، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها . ولما كان الإنسان غير قادر على أداء شكر النعم ، وأن له حالة يعرض فيها منه كفرانها قال في عقب الآية التي في إبراهيم :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
« 1 » أي لظلوم بترك الشكر كفار للنعمة . وفي هذه الآية ذكر الغفران والرحمة لطفا به ، وإيذانا في التجاوز عنه . وأخبر تعالى أنه يعلم ما يسرون ، وضمنه الوعيد لهم ، والإخبار بعلمه تعالى . وفيه التنبيه على نفي هذه الصفة الشريفة عن آلهتهم . وقرأ الجمهور : بالتاء من فوق في تسرون وتعلنون وتدعون ، وهي قراءة : مجاهد ، والأعرج ، وشيبة ، وأبي جعفر ، وهبيرة ، عن عاصم على معنى : قل لهم . وقرأ عاصم في مشهوره : يدعون بالياء من تحت ، وبالتاء في السابقتين . وقرأ الأعمش وأصحاب عبد اللّه : يعلم الذي يبدون وما يكتمون ، وتدعون بالتاء من فوق في الثلاثة . وقرأ طلحة : ما يخفون وما يعلنون ، وتدعون بالتاء من فوق ، وهاتان القراءتان مخالفتان لسواد المصحف ، والمشهور ما روي عن الأعمش وغيره ، فوجب حملها على التفسير ، لا على أنها قرآن . ولما أظهر تعالى التباين بين الخالق وغيره ، نص على أنّ آلهتهم لا تخلق ، وعلى أنها مخلوقة . وأخبر أنهم أموات ، وأكد ذلك بقوله : غير أحياء ، ثم نفى عنهم الشعور الذي يكون للبهائم ، فضلا عن العلم الذي تتصف به العقلاء . وعبر بالذين وهو للعاقل عومل غيره معاملته ، لكونها عبدت واعتقدت فيها الألوهية ، وقرأ محمد اليماني : يدعون بضم الياء وفتح العين مبنيا للمفعول ، والظاهر أنّ قوله : وهم يخلقون ، أي : اللّه أنشأهم واخترعهم . وقال الزمخشري : ووجه آخر وهو أن يكون المعنى : أن الناس يخلقونهم بالنحت والتصوير ، وهم لا يقدرون على ذلك فهم أعجز من عبدتهم انتهى . وأموات خبر مبتدأ محذوف أي : هم أموات . ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر . والظاهر أن هذه كلها مما حدث به عن الأصنام ، ويكون بعثهم إعادتها بعد فنائها . ألا ترى إلى قوله تعالى :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ
« 2 » . وقيل : معنى بعثها إثارتها ، كما تقول : بعثت النائم من نومه إذا نبهته ، كأنه وصفهم بغاية الجمود أي : وإن طلبتهم بالتحريك أو حركتهم لم يشعروا بذلك ، ونفى عنهم الحياة لأنّ من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطف التي ينشئها اللّه حيوانا ، وأجساد الحيوان التي تبعث بعد موتها . وأما الأصنام من الحجارة والخشب
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : 14 / 34 . ( 2 ) سورة الأنبياء : 21 / 21 .