التقدير وهو يقول لهم : أعلموا . وقرئ : لينذروا أنه ، وحسنت النذارة هنا وإن لم يكن في اللفظ ما فيه خوف من حيث كان المنذرون كافرين بألوهيته ، ففي ضمن أمرهم مكان خوف ، وفي ضمن الإخبار بالوحدانية نهي عما كانوا عليه ، ووعيد وتحذير من عبادة الأوثان . ومعنى : فاتقون أي اتقوا عقابي باتخاذكم إلها غيري . وجاءت الحكاية على المعنى في قوله : إلا أنا ، ولو جاءت على اللفظ لكان لا إله إلا اللّه ، وكلاهما سائغ .
وحكاية المعنى هنا أبلغ إذ فيها نسبة الحكم إلى ضمير المتكلم المنزل الملائكة ، ثم دل على وحدانيته وأنه لا إله إلا هو بما ذكر مما لا يقدر عليه غيره من خلق السماوات والأرض ، وهم مقرون بأنه تعالى هو خالقها . وبالحق أي : بالواجب اللائق ، وذلك أنها تدل على صفات تحق لمن كانت له أن يخلق ويخترع وهي : الحياة ، والعلم ، والقدرة ، والإرادة ، بخلاف شركائهم التي لا يحق لها شيء من ذلك .
وقرأ الأعمش : فتعالى بزيادة فاء ، وجاءت هذه الجملة منبهة على تنزيه اللّه تعالى موجد هذا العالم العلوي والعالم السفلي عن أن يتخذ معه شريك في العبادة . ولما ذكر ما دل على وحدانيته من خلق العالم العلوي والأرض ، وهو استدلال بالخارج ، ذكر الاستدلال من نفس الإنسان ، فذكر إنشاءه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ، وكان حقه والواجب عليه أن يطيع وينقاد لأمر اللّه . والخصيم من صفات المبالغة من خصم بمعنى اختصم ، أو بمعنى مخاصم ، كالخليط والجليس ، والمبين الظاهر الخصومة أو المظهرها . والظاهر أنّ سياق هذين الوصفين سياق ذم لما تقدم من قوله : سبحانه وتعالى عما يشركون ، وقوله : أن أنذروا الآية . ولتكرير تعالى عما يشركون ، ولقوله في يس :
أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ
« 1 » الآية وقال :
بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
« 2 » وعنى به مخاصمتهم لأنبياء اللّه وأوليائه بالحجج الداحضة ، وأكثر ما ذكر الإنسان في القرآن في معرض الذم ، أو مردفا بالذم .
وقيل : المراد بالإنسان هنا أبي بن خلف الجمحي . وقال قوم : سياق الوصفين سياق المدح ، لأنه تعالى قواه على منازعة الخصوم ، وجعله مبين الحق من الباطل ، ونقله من تلك الحالة الجمادية وهو كونه نطفة إلى الحالة العالية الشريفة وهي : حالة النطق والإبانة .
وإذ هنا للمفاجأة ، وبعد خلقه من النطفة لم تقع المفاجأة بالمخاطبة إلا بعد أحوال تطور فيها ، فتلك الأحوال محذوفة ، وتقع المفاجأة بعدها . وقال أبو عبد اللّه الرازي : اعلم أنّ
هامش
( 1 ) سورة يس : 36 / 77 .
( 2 ) سورة الزخرف : 43 / 58 .