قبل أحد ، بل هو اللّه تعالى الذي بعث به جبريل عليه السلام إلى رسوله ، وأكد ذلك بقوله :
إنا نحن ، بدخول إنّ وبلفظ نحن . ونحن مبتدأ ، أو تأكيد لاسم إنّ ثم قال : وإنا له لحافظون أي : حافظون له من الشياطين . وفي كل وقت تكفل تعالى بحفظه ، فلا يعتريه زيادة ولا نقصان ، ولا تحريف ولا تبديل ، بخلاف غيره من الكتب المتقدمة ، فإنه تعالى لم يتكفل حفظها بل قال تعالى : إن الربانيين والأحبار بما استحفظوها « 1 » ولذلك وقع فيها الاختلاف .
وحفظه إياه دليل على أنه من عنده تعالى ، إذ لو كان من قول البشر لتطرق إليه ما تطرق لكلام البشر . وقال الحسن : حفظه بإبقاء شريعته إلى يوم القيامة . وقيل : يحفظه في قلوب من أراد بهم خيرا حتى لو غير أحد نقطة لقال له الصبيان : كذبت ، وصوابه كذا ، ولم يتفق هذا الشيء من الكتب سواه . وعلى هذا فالظاهر أنّ الضمير في له عائد على الذكر ، لأنه المصرح به في الآية ، وهو قول الأكثر : مجاهد ، وقتادة ، وغيرهما . وقالت فرقة : الضمير في له عائد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أي : يحفظه من أذاكم ، ويحوطه من مكركم كما قال تعالى :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
« 2 » وفي ضمن هذه الآية التبشير بحياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى يظهر اللّه به الدين .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ . وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ . كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ . لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ . وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
: لما ذكر تعالى استهزاء الكفار به عليه السلام ، ونسبته إلى الجنون ، واقتراح نزول الملائكة ، سلاه تعالى بأن من أرسل من قبلك كان ديدن الرسل إليهم مثل ديدن هؤلاء معك . وتقدم تفسير الشيع في أواخر الأنعام . ومفعول أرسلنا محذوف أي : رسلا من قبلك . وقال الفراء : في شيع الأولين هو من إضافة الشيء إلى صفته كقوله : حق اليقين ، وبجانب الغربي أي الشيع الموصوف ، أي : في شيع الأمم الأولين ، والأولون هم الأقدمون . وقال الزمخشري : وما يأتيهم حكاية ماضية ، لأنّ ما لا تدخل على مضارع ، إلا وهو في موضع الحال ، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال انتهى . وهذا الذي ذكره هو قول الأكثر من أنّ ما تخلص المضارع للحال وتعينه له ، وذهب غيره إلى أنّ ما يكثر دخولها على المضارع مرادا به الحال ، وتدخل عليه مرادا به الاستقبال ، وأنشد على ذلك قول أبي ذؤيب :
هامش
( 1 ) ليست آية قرآنية بلفظها .
( 2 ) سورة المائدة : 5 / 67 .