ونصب الأخيرة . ورويت هذه القراءة عن علي
، واختلف في تخريجها . فعن الحسن وجماعة أنّ إن نافية ، وكان تامة ، والمعنى : وتحقير مكرهم ، وأنه ما كان لتزول منه الشرائع والنبوات وأقدار اللّه التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها ، ويؤيد هذا التأويل ما روي عن ابن مسعود أنه قرأ : وما كان بما النافية : لكنّ هذا التأويل ، وما روي عن ابن مسعود من قراءة وما بالنفي ، يعارض ما تقدم من القراءات ، لأنّ فيها تعظيم مكرهم ، وفي هذا تحقيره .
ويحتمل على تقدير أنها نافية أن تكون كان ناقصة ، واللام لام الجحود ، وخبر كان على الخلاف الذي بين البصريين والكوفيين : أهو محذوف ؟ أو هو الفعل الذي دخلت عليه اللام ؟ وعلى أنّ إن نافية وكان ناقصة ، واللام في لتزول متعلقة بفعل في موضع خبر كان ، خرجه الحوفي .
وقال الزمخشري : وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ، وإن عظم مكرهم وتتابع في الشدة بضرب زوال الجبال منه مثلا لتفاقمه وشدته أي : وإن كان مكرهم مستو لإزالة الجبال معدا لذلك . وقال ابن عطية : ويحتمل عندي هذه القراءة أن تكون بمعنى تعظيم مكرهم أي : وإن كان شديدا بما يفعل ليذهب به عظام الأمور انتهى . وعلى تخريج هذين تكون إن هي المخففة من الثقيلة ، وكان هي الناقصة . وعلى هذا التخريج تنفق معاني القراءات أو تتقارب ، وعلى تخريج النفي تتعارض كما ذكرنا . وقرئ لتزول بفتح اللام الأولى ونصب الثانية ، وذلك على لغة من فتح لام كي . والذي يظهر أنّ زوال الجبال مجاز ضرب مثلا لمكر قريش ، وعظمه والجبال لا تزول ، وهذا من باب الغلو والإيغال والمبالغة في ذم مكرهم . وأما ما روي أن جبلا زال بحلف امرأة اتهمها زوجها وكان ذلك الجبل من حلف عليه كاذبا مات ، فحملها للحلف ، فمكرت بأن رمت نفسها عن الدابة وكانت وعدت من اتهمت به أن يكون في المكان الذي وقعت فيه عن الدابة ، فأركبها زوجها وذلك الرجل ، وحلفت على الجبل أنها ما مسها غيرهما ، فنزلت سالمة ، وأصبح الجبل قد اندك ، وكانت المرأة من عدنان . وما روي من قصة النمرود أو بختنصّر ، واتخاذ الأنسر وصعودهما عليها إلى قرب السماء في قصة طويلة . وما تأول بعضهم أنه عبر بالجبال عن الإسلام ، والقرآن لثبوته ورسوخه ، وعبر بمكرهم عن اختلافهم فيه من قولهم : هذا سحر هذا شعر هذا إفك ، فأقوال ينبو عنها ظاهر اللفظ ، وبعيد جدا قصة الأنسر . والنهي عن الحسبان كهو في قوله :
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا
« 1 » وأطلق الحسبان على الأمر المتحقق هنا كما قال الشاعر :
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : 14 / 42 .