تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ
« 1 » أي مكروا بالشرك باللّه ، وتكذيب الرسل . وقيل : الضمير عائد على قوم الرسول كقوله :
وَأَنْذِرِ النَّاسَ
« 2 » أي : وقد مكر قومك يا محمد ، وهو الذي في قوله :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
« 3 » الآية ومعنى مكرهم أي : المكر العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم ، والظاهر أنّ هذا إخبار من اللّه لنبيه بما صدر منهم في الدنيا ، وليس مقولا في الآخرة . وقال ابن عطية : ويحتمل أن يكون مما يقال يوم القيامة للظلمة الذين سكن في منازلهم . وعند اللّه مكرهم أي : علم مكرهم فهو مطلع عليه ، فلا ينفذ لهم فيه قصدا ، ولا يبلغهم فيه أملا أو جزاء مكرهم ، وهو عذابه لهم . والظاهر إضافة مكر وهو المصدر إلى الفاعل ، كما هو مضاف في الأول إليه كأنه قيل : وعند اللّه ما مكروا أي مكرهم . وقال الزمخشري : أو يكون مضافا إلى المفعول على معنى : وعند اللّه مكرهم الذي يمكرهم به ، وهو عذابهم الذي يستحقونه ، يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون انتهى . وهذا لا يصح إلا إن كان مكر يتعدى بنفسه كما قال هو ، إذ قدر يمكرهم به ، والمحفوظ أنّ مكر لا يتعدى إلى مفعول به بنفسه . قال تعالى :
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
« 4 » وتقول : زيد ممكور به ، ولا يحفظ زيد ممكور بسبب كذا . وقرأ الجمهور : وإن كان بالنون . وقرأ عمرو ، وعلي ، وعبد اللّه ، وأبيّ ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وأبو إسحاق السبيعي ، وزيد بن علي : وإن كاد بدال مكان النون لتزول بفتح اللام الأولى ورفع الثانية ، وروي كذلك عن ابن عباس . وقرأ ابن عباس ، ومجاهد ، وابن وثاب ، والكسائي كذلك ، إلا أنهم قرءوا وإن كان بالنون ، فعلى هاتين القراءتين تكون إن هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفارقة ، وذلك على مذهب البصريين . وأما على مذهب الكوفيين فإن نافية ، واللام بمعنى إلا . فمن قرأ كاد بالدال فالمعنى : أنه يقرب زوال الجبال بمكرهم ، ولا يقع الزوال . وعلى قراءة كان بالنون ، يكون زوال الجبال قد وقع ، ويكون في ذلك تعظيم مكرهم وشدته ، وهو بحيث يزول منه الجبال وتنقطع عن أماكنها . ويحتمل أن يكون معنى لتزول ليقرب زوالها ، فيصير المعنى كمعنى قراءة كاد . ويؤيد هذا التأويل ما ذكره أبو حاتم من أنّ في قراءة أبيّ : ولولا كلمة اللّه لزال من مكرهم الجبال ، وينبغي أن تحمل هذه القراءة على التفسير لمخالفتها لسواد المصحف المجمع عليه . وقرأ الجمهور وباقي السبعة : وإن كان بالنون مكرهم لتزول بكسر اللام ،
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم : 14 / 44 . ( 2 ) سورة إبراهيم : 14 / 44 . ( 3 ) سورة الأنفال : 8 / 30 . ( 4 ) سورة الأنفال : 8 / 30 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 454 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل