تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
وهو كون محل العابد أمنا لا يخاف فيه ، إذ يتمكن من عبادة اللّه تعالى ، ثم دعا ثانيا بأن يجنب هو وبنوه من عبادة الأصنام . ومعنى واجنبني وبني : أدمني وإياهم على اجتناب عبادة الأصنام . وأراد بقوله : وبنيّ أولاده ، من صلبه الأقرباء . وأجابه اللّه تعالى فجعل الحرم آمنا ، ولم يعبد أحد من بنيه الأقرباء لصلبه صنما . قال سفيان بن عيينة : وقد سئل ، كيف عبدت العرب الأصنام ؟ قال : ما عبد أحد من ولد إسماعيل صنما وكانوا ثمانية ، إنما كانت لهم حجارة ينصبوها ويقولون : حجر ، فحيث ما نصبوا حجرا فهو بمعنى البيت ، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار انتهى . قال ابن عطية : وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي إفراط خوفه على نفسه ، ومن حصل في رتبته فكيف يخاف أن يعبد صنما ؟ لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدى بها في الخوف وطلب الخاتمة . وكرر النداء استعطافا لربه تعالى ، وذكر سبب طلبه : أن يجنب هو وبنوه عبادة الأصنام بقوله : إنهن أضللن كثيرا من الناس ، إذ قد شاهد أباه وقومه يعبدون الأصنام . ومعنى أضللنا : كنا سببا لإضلال كثير من الناس ، والمعنى : أنهم ضلوا بعبادتها ، كما تقول : فتنتهم الدنيا أي : افتتنوا بها ، واغتروا بسببها . وقرأ الجحدري ، وعيسى الثقفي : وأجنبني من أجنب ، وأنث الأصنام لأنه جمع ما لا يعقل يخبر عنه أخبار المؤنث كما تقول : الأجذاع انكسرت . والإخبار عنه إخبار جمع العاقل المذكر بالواو ومجاز نحو قوله : فقد ضلوا كثيرا . فمن تبعني أي : على ديني وما أنا عليه ، فإنه مني . جعله لفرط الاختصاص به وملابسته كقوله : « من غشنا فليس منا » أي ليس بعض المؤمنين تنبيها على تعظيم الغش بحيث هو يسلب الغاش الإيمان ، والمعنى : أن الغش ليس من أوصاف أهل الإيمان . ومن عصاني ، هذا فيه طباق معنوي ، لأن التبعية طاعة فقوله : فإنك غفور رحيم . قال مقاتل : ومن عصاني فيحادون الشرك . وقال الزمخشري : تغفر لي ما سلف من العصيان إذا بدا لي فيه واستحدث الطاعة . قال ابن عطية : ومن عصاني ظاهره بالكفر لمعادلة قوله : فمن تبعني فإنه مني ، وإذا كان كذلك فقوله : فإنك غفور رحيم معناه حين يؤمنوا ، لأنه أراد أن اللّه يغفر لكل كافر ، لكنه حمله على هذه العبارة ما كان يأخذ نفسه به من القول الجميل والنطق الحسن وجميل الأدب صلّى اللّه عليه وسلّم . وكذلك قال نبي اللّه عيسى عليه السلام :
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 5 / 118 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 445 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل