تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
يجتمع منه شيء انتهى . وهذا القول الذي رجحه ابن عطية قال الحوفي ، وهو لا يجوز ، لأن الجملة الواقعة خبرا عن المبتدأ الأول الذي هو مثل عارية من رابط يعود على المثل ، وليست نفس المبتدأ في المعنى ، فلا تحتاج إلى رابط . وأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام ، وعتق الرقاب ، وفداء الأسارى ، وعقر الإبل للأضياف ، وإغاثة الملهوفين ، والإجارة ، وغير ذلك . شبهها في حبوطها وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير أساس من معرفة اللّه والإيمان به ، وكونها لوجهه برماد طيرته الريح العاصف . وقرأ نافع ، وأبو جعفر : الرياح على الجمع ، والجمهور على الأفراد . ووصف اليوم بقوم عاصف ، وإن كان من صفة الريح على سبيل التجوز ، كما قالوا : يوم ما حل وكيل نائم . وقال الهروي : التقدير في يوم عاصف الريح ، فحذف لتقدم ذكرها كما قال الشاعر : إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف يريد كاسف الشمس . وقيل : عاصف من صفة الريح ، إلا أنه لما جاء بعد اليوم اتبع إعرابه كما قيل : جحر ضب خرب ، يعني : إنه خفض على الجوار . وقرأ ابن أبي إسحاق ، وإبراهيم بن أبي بكر عن الحسن : في يوم عاصف على إضافة اليوم لعاصف ، وهو على حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ، تقديره : في يوم ريح عاصف . وتقدم تفسير العصوف في يونس في قوله :
جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ
« 1 » وعلى قول من أجاز إضافة الموصوف إلى صفته يجوز أن تكون القراءة منه : لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء ، أي : لا يرون له أثرا من ثواب ، كما لا يقدر من الرماد المطير بالريح على شيء . وقيل : لا يقدرون من ثواب ما كسبوا ، فهو على حذف مضاف . وفي الصحيح عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : يا رسول اللّه ، إنّ ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم المسكين ، هل ذلك نافعه ؟ قال : « لا ينفعه لأنه لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » و في الصحيح أيضا : « إن الكافر ليطعم بحسناته في الدنيا ما عمل للّه منها » ذلك إشارة إلى كونهم بهذه الحال . وعلى مثل هذا الغرر البعيد الذي يعمق فيه صاحبه ، وأبعد عن طريق النجاة ، والبعيد عن الحق ، أو الثواب . وفي البقرة :
لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا
« 2 » على شيء من التفنن في الفصاحة ، والمغايرة في التقديم والتأخير ، والمعنى واحد .
هامش
( 1 ) سورة يونس : 10 / 22 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 264 .