ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
: إن كان السجود بمعنى الخضوع والانقياد ، فمن عمومها ينقاد كلهم إلى ما أراده تعالى بهم شاءوا أو أبوا ، وتنقاد له تعالى ظلالهم حيث هي على مشيئته من الامتداد والتقلص ، والفيء والزوال ، وإن كان السجود عبارة عن الهيئة المخصوصة : وهو وضع الجبهة بالمكان الذي يكون فيه الواضع ، فيكون عاما مخصوصا إذ يخرج منه من لا يسجد ، ويكون قد عبر بالطوع عن سجود الملائكة والمؤمنين ، وبالكره عن سجود من ضمه السيف إلى الإسلام كما قاله قتادة : فيسجد كرها وإما نفاقا ، أو يكون الكره أول حاله ، فتستمر عليه الصفة وإن صح إيمانه بعد . وقيل : طوعا لا يثقل عليه السجود ، وكرها يثقل عليه ، لأنّ إلزام التكاليف مشقة . وقيل : من طالت مدة إسلامه ، فألف السجود . وكرها من بدا بالإسلام إلى أن يألف السجود قاله ابن الأنباري . وقيل : هو عام على تقدير كون السجود عبارة عن الهيئة المخصوصة ، وذلك بأن يكون يسجد صيغته صيغة الخبر ، ومدلوله أثر . أو يكون معناه :
يجب أن يسجد له كل من في السماوات والأرض ، فعبر عن الوجوب بالوقوع . والذي يظهر أنّ مساق هذه الآية إنما هو أنّ العالم كله مقهور للّه تعالى ، خاضع لما أراد منه ، مقصور على مشيئته ، لا يكون منه إلا ما قدر تعالى . فالذين تعبدونهم كائنا ما كانوا داخلون تحت القهر ، ويدل على هذا المعنى تشريك الظلال في السجود . والظلال ليست أشخاصا يتصور منها السجود بالهيئة المخصوصة ، ولكنها داخلة تحت مشيئته تعالى يصرفها على ما أراد ، إذ هي من العالم . فالعالم جواهره وأعراضه داخلة تحت إرادته كما قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ
« 1 » وكون الظلال يراد بها الأشخاص كما قال بعضهم ضعيف ، وأضعف منه قول ابن الأنباري : إنه تعالى جعل للظلال عقولا تسجد بها وتخشع بها ، كما جعل للجبال أفهاما حتى خاطبت وخوطبت ، لأنّ الجبل يمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة ، وأما الظل فعرض لا يتصور قيام الحياة به ، وإنما معنى سجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب كما أراد تعالى . وقال الفراء :
الظل مصدر يعني في الأصل ، ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجرم ، وطوله بسبب انحطاط الشمس ، وقصره بسبب ارتفاعها ، فهو منقاد للّه تعالى في طوله وقصره وميله من
هامش
( 1 ) سورة النحل : 16 / 48 .