تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
العزيز كان لا يطأ ، فولدت له ولدين : أفرائيم ، ومنشا . وأقام العدل بمصر ، وأحبه الرجال والنساء ، وأسلم على يده الملك وكثير من الناس ، وباع من أهل مصر في سني القحط الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق معهم شيء منها ، ثم بالحلي والجواهر ، ثم بالدواب ، ثم بالضياع والعقار ، ثم برقابهم ، ثم استرقهم جميعا فقالوا : واللّه ما رأينا كاليوم ملكا أجل ولا أعظم منه فقال للملك : كيف رأيت صنع اللّه بي فيما خولني ، فما ترى ؟ قال : الرأي رأيك قال : فإني أشهد اللّه وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم ، ورددت عليهم أملاكهم . وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس ، وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام نحو ما أصاب مصر ، فأرسل يعقوب بنيه ليمتاروا ، واحتبس بنيامين . وقرأ الحسن وابن كثير : بخلاف عنهم أبو جعفر وشيبة ونافع : حيث نشاء بالنون ، والجمهور بالياء . والظاهر أنّ قراءة الياء يكون فاعل نشاء ضميرا يعود على يوسف ، ومشيئته محذوفة بمشيئة اللّه ، إذ هو نبيه ورسوله . وأما إن يكون الضمير عائدا على اللّه أي : حيث يشاء اللّه ، فيكون التفاتا . نصيب برحمتنا أي : بنعمتنا من الملك والغنى وغيرهما ، ولا نضيع في الدنيا أجر من أحسن . ثم ذكر أن أجر الآخرة خير ، لأنه الدائم الذي لا يفنى . وقال سفيان بن عيينة : المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة ، والفاجر يعجل له الخير في الدنيا ، وما له في الآخرة من خلاق ، وتلا هذه الآية . وفي الحديث ما يوافق ما قال سفيان ، وفي الآية إشارة إلى أن حال يوسف في الآخرة خير من حالته العظيمة في الدنيا .
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ . وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ . فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ . قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ . وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
: أي جاءوا من القريات من أرض فلسطين بأرض الشام . وقيل : من الأولاج من ناحية الشعب إلى مصر ليمتاروا منها ، فتوصلوا إلى يوسف للميرة ، فعرفهم لأنه فارقهم وهم رجال ، ورأى زيهم قريبا من زيهم إذ ذاك ، ولأنّ همته كانت معمورة بهم وبمعرفتهم ، فكان يتأمل ويتفطن . وروي أنهم انتسبوا في الاستئذان عليه فعرفهم ، وأمر بإنزالهم . ولذلك قال الحسن : ما عرفهم حتى تعرفوا له ، وإنكارهم إياه كان . قال الزمخشري : لطول العهد ومفارقته إياهم في سن الحداثة ، ولاعتقادهم أنه قد هلك ، ولذهابه عن أوهامهم لقلة فكرهم فيه ، ولبعد