تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
مع ما صنعت به وتسببت فيه من السجن والعذاب ، واقتصر على ذكر المقطعات الأيدي . وقرأ أبو حيوة وأبو بكر عن عاصم في رواية النسوة بضم النون ، وقرأت فرقة اللاي بالياء ، وكلاهما جمع التي . إن ربي أي : إن اللّه بكيدهنّ عليم . أراد أن كيدهن عظيم لا يعلمه إلا اللّه لبعد عوده ، واستشهد بعلم اللّه على أنهن كدنه ، وأنه بريء مما قذف به . أو أراد الوعيد لهن ، أو هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه . وقال ابن عطية : ويحتمل أن يريد بالرب العزيز مولاه ، ففي ذلك استشهاد به وتقريع . وما ذكره ابن عطية من هذا الاحتمال لا يسوغ ، والضمير في بكيدهن عائد على النسوة المذكورات لا للجنس ، لأنها حالة توقيف على ذنب . قال : ما خطبكن في الكلام حذف تقديره : فرجع الرسول فأخبره بما قال يوسف ، فجمع الملك النسوة وامرأة العزيز وقال لهن : ما خطبكن ؟ وهذا استدعاء منه أن يعلمنه بالقصة ، ونزه جانب يوسف بقوله : إذ راودتن يوسف عن نفسه ، ومراودتهن له قولهن ليوسف : أطع مولاتك . وقال الزمخشري : هل وجدتن منه ميلا ؟ لكن قلن : حاش للّه تعجبا من عفته ، وذهابه بنفسه عن شيء من الريبة ، ومن نزاهته عنها . وقال ابن عطية : أجاب النساء بجواب جيد تظهر منه براءة أنفسهن جملة ، وأعطين يوسف بعض براءة ، وذلك أن الملك لما قررهن أنهن راودنه قلن جوابا عن ذلك : حاش للّه . ويحتمل أن يكون قولهن : حاش للّه ، في جهة يوسف عليه السلام . وقولهن ما علمنا عليه من سوء ليس بإبراء تام ، وإنما كان الإبراء التام وصف القصة على وجهها حتى يتقرر الخطأ في جهتهنّ ، فلما سمعت امرأة العزيز مقالتهن وحيدتهن عن الوقوع في الخزي قالت : الآن حصحص الحق . وقرئ حصحص على البناء للمفعول ، أقرت على نفسها بالمراودة ، والتزمت الذنب ، وأبرأت يوسف البراءة التامة .
ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ . وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
: الظاهر أن هذا من كلام امرأة العزيز وهو داخل تحت قوله : قالت . والمعنى : ذلك الإقرار والاعتراف بالحق ، ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته والذب عنه ، وأرميه بذنب هو منه بريء . ثم اعتذرت عما وقعت فيه مما يقع فيه البشر من الشهوات بقولها : وما أبرئ نفسي ، والنفوس مائلة إلى الشهوات أمارة بالسوء . وقال الزمخشري : وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة فإني قد خنته حين قذفته وقلت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن ، وأودعته السجن تريد الاعتذار لما كان منها أن كل نفس لأمارة بالسوء إلا نفسا رحمها اللّه بالعصمة إن ربي غفور