تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
الأكل الذي في قوله : يأكلن على سبيل المجاز من حيث أنه يؤكل فيهما كما قال :
وَالنَّهارَ مُبْصِراً *
« 1 » . ومعنى تحصنون تحرزون وتخبئون ، مأخوذ من الحصن وهو الحرز والملجأ . وقال ابن عباس ومجاهد والجمهور : يغاث من الغيث ، وقيل : من الغوث ، وهو الفرج . ففي الأول بني من ثلاثي ، وفي الثاني من رباعي ، تقول : غاثنا اللّه من الغيث ، وأغاثنا من الغوث . وقرأ الأخوان : تعصرون بالتاء على الخطاب ، وباقي السبعة بالياء على الغيبة ، والجمهور على أنه من عصر النبات كالعنب والقصب والزيتون والسمسم والفجل وجميع ما يعصر ، ومصر بلد عصير لأشياء كثيرة والحلب منه ، لأنه عصر للضروع . وروي أنهم لم يعصروا شيئا مدة الجدب . وقال أبو عبيدة وغيره : مأخوذ من العصرة ، والعصر وهو المنجى ، ومنه قول أبي زبيد في عثمان رضي اللّه عنه :
صاديا يستغيث غير مغاث * ولقد كان عصرة المنجود
فالمعنى : ينجون بالعصرة . وقرأ جعفر بن محمد ، والأعرج ، وعيسى البصرة يعصرون بضم الياء وفتح الصاد مبنيا للمفعول ، وعن عيسى أيضا : تعصرون بالتاء على الخطاب مبنيا للمفعول ، ومعناه : ينجون من عصره إذا أنجاه ، وهو مناسب لقوله : يغاث الناس . وقال ابن المستنير : معناه يمطرون ، من أعصرت السحابة ماءها عليهم فجعلوا معصرين مجازا بإسناد ذلك إليهم ، وهو للماء الذي يمطرون به . وحكى النقاش أنه قرئ يعصرون بضم الياء وكسر الصاد وشدّها ، من عصر مشدّدا للتكثير . وقرأ زيد بن علي : وفيه تعصرون ، بكسر التاء والعين والصاد وشدها ، وأصله تعتصرون ، فأدغم التاء في الصاد ونقل حركتها إلى العين ، واتبع حركة التاء لحركة العين . واحتمل أن يكون من اعتصر العنب ونحوه . ومن اعتصر بمعنى نجا قال الشاعر :
لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالغصان بالماء اعتصاري
أي نجاتي . تأول يوسف عليه السلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بسين مخصبة ، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بمجيء العام الثامن مباركا خصيبا كثير الخير غزير النعم ، وذلك من جهة الوحي . وعن قتادة : زاده اللّه علم سنة ، والذي من جهة الوحي هو التفضيل بحال العام بأنه فيه يغاث الناس ، وفيه يعصرون ، وإلا فمعلوم بانتهاء السبع الشداد مجيء الخصب .
هامش
( 1 ) سورة يونس : 10 / 67 .