تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
فإن أنا يوما غيبتني غيابتي * فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
وقرأ الجمهور : غيابة على الإفراد ، ونافع : غيابات على الجمع ، جعل كل جزء مما يغيب فيه غيابة . وقرأ ابن هرمز : غيابات بالتشديد والجمع ، والذي يظهر أنه سمى باسم الفاعل الذي للمبالغة ، فهو وصف في الأصل ، وألحقه أبو علي بالاسم الجائي على فعال نحو ما ذكر سيبويه من الفياد . قال أبو الفتح : ووجدت من ذلك المبار المبرح والفخار الخزف . وقال صاحب اللوامح : يجوز أن يكون على فعالات كحمامات ، ويجوز أن يكون على فيعالات كشيطانات في جمع شيطانة ، وكل للمبالغة . وقرأ الحسن : في غيبة ، فاحتمل أن يكون في الأصل مصدرا كالغلبة ، واحتمل أن يكون جمع غائب كصانع وصنعة . وفي حرف أبي في غيبة بسكون الياء ، وهي ظلمة الركية . وقال قتادة في جماعة : الجب بئر بيت المقدس ، وقال وهب : بأرض الأردن ، وقال مقاتل : على ثلاث فراسخ من منزل يعقوب ، وقيل : بين مدين ومصر . وقرأ الحسن ، ومجاهد ، وقتادة ، وأبو رجاء : تلتقطه بتاء التأنيث ، أنث على المعنى كما قال :
إذا بعض السنين تعرفتنا * كفى الأيتام فقد أبى اليتيم
والسيارة جمع سيار ، وهو الكثير السير في الأرض . والظاهر أن الجب كان فيه ماء ، ولذلك قالوا : يلتقطه بعض السيارة . وقيل : كان فيه ماء كثير يغرق يوسف ، فنشز حجر من أسفل الجب حتى ثبت يوسف عليه . وقيل : لم يكن ماء فأخرجه اللّه فيه حتى قصده الناس . وروي : أنهم رموه بحبل في الجب ، فتماسك بيديه حتى ربطوا يديه ونزعوا قميصه ورموه حينئذ ، وهموا بعد برضخه بالحجارة فمنعهم أخوهم المشير بطرحه من ذلك . ومفعول فاعلين محذوف أي : فاعلين ما يحصل به غرضكم من التفريق بينه وبين أبيه .
قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ . أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ
: لما تقرر في أذهانهم التفريق بين يوسف وأبيه ، أعملوا الحيلة على يعقوب وتلطفوا في إخراجه معهم ، وذكروا نصحهم له وما في إرساله معهم من انشراح صدره بالارتعاء واللعب ، إذ هو مما يشرح الصبيان ، وذكروا حفظهم له مما يسوؤه . وفي قولهم : ما لك لا تأمنا ، دليل على أنهم تقدم منهم سؤال في أن يخرج معهم ، وذكروا سبب الأمن وهو النصح أي : لم لا تأمنا عليه