تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
في مرية مما يعبد هؤلاء ، فإنّ اللّه لم يأمرهم بذلك ، وإنما اتبعوا في ذلك آباءهم تقليدا لهم وإعراضا عن حجج العقول .
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ
: لما بين تعالى إصرار كفار مكة على إنكار التوحيد ونبوّة الرسول والقرآن الذي أتى به ، بيّن أنّ الكفار من الأمم السابقة كانوا على هذه السيرة الفاجرة مع أنبيائهم ، فليس ذلك ببدع من من عاصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وضرب لذلك مثلا وهو : إنزال التوراة على موسى فاختلفوا فيها . والكتاب هنا التوراة ، فقبله بعض ، وأنكره بعض ، كما اختلف هؤلاء في القرآن . والظاهر عود الضمير فيه على الكتاب لقربه ، ويجوز أن يعود على موسى عليه السلام . ويلزم من الاختلاف في أحدهما الاختلاف في الآخر . وجوز أن تكون في بمعنى على ، أي : فاختلف عليه ، وكان بنو إسرائيل أشدّ تعنتا على موسى وأكثر اختلافا عليه . وقد تقدم شرح :
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ *
« 1 » والظاهر عود الضمير في بينهم على قوم موسى عليه السلام ، إذ هم المختلفون فيه ، أو في الكتاب . وقيل : يعود على المختلفين في الرسول من معاصريه . قال ابن عطية : وأن يعمهم اللفظ أحسن عندي ، وهذه الجملة من جملة تسليته أيضا .
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
: الظاهر عموم كل وشموله للمؤمن والكافر . وقال الزمخشري : التنوين عوض من المضاف إليه يعني : وإن كلهم ، وإن جميع المختلفين فيه . وقال مقاتل : يعني به كفار هذه الأمة . وقرأ الحرميان وأبو بكر : وإن كلا بتخفيف النون ساكنة . وقرأ ابن عامر ، وعاصم ، وحمزة : لما بالتشديد هنا وفي
يس
و
الطَّارِقِ *
وأجمعت السبعة على نصب كلا ، فتصور في قراءتهم أربع قراءات : إحداها : تخفيف إن ولما ، وهي قراءة الحرميين . والثانية : تشديدهما ، وهي قراءة ابن عامر وحمزة وحفص . والثالثة : تخفيف إن وتشديد لما وهي قراءة أبي بكر . والرابعة : تشديد أن وتخفيف لمّا ، وهي قراءة الكسائي وأبي عمرو . وقرأ أبيّ والحسن بخلاف عنه ، وأبان بن ثعلب وإن بالتخفيف كل بالرفع لمّا مشددا . وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم : وإن كلا لمّا بتشديد الميم وتنوينها ، ولم يتعرضوا لتخفيف إن ولا تشديدها . وقال أبو حاتم : الذي في مصحف أبيّ وإن من كل إلا ليوفينهم . وقرأ الأعمش : وإن كل إلا ، وهو حرف
هامش
( 1 ) سورة يونس : 10 / 19 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 216 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل