تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
: روي أن لوطا عليه السلام غلبوه ، وهموا بكسر الباب وهو يمسكه قال له الرسل : تنح عن الباب فتنحى ، وانفتح الباب فضربهم جبريل عليه السلام بجناحه ، فطمس أعينهم وعموا ، وانصرفوا على أعقابهم يقولون : النجاة النجاة ، فعند لوط قوم سحرة وتوعدوا لوطا ، فحينئذ قالوا له : إنا رسل ربك . و روي أن جبريل نقب من خصاص الباب ، ورمى في أعينهم فعموا . وقيل : أخذ قبضة من تراب وأذراها في وجوههم ، فأوصل إلى عين من بعد ومن قرب من ذلك التراب ، فطمست أعينهم فلم يعرفوا طريقا ولم يهتدوا إلى بيوتهم . وقيل : كسروا بابه وتهجموا عليه ، ففعل بهم جبريل ما فعل . والجملة من قوله : لن يصلوا إليك ، موضحة للذي قبلها لأنهم إذا كانوا رسل اللّه لن يصلوا إليه ، ولم يقدروا على ضرره ، ثم أمروه بأن يسري بأهله . وقرأ الحرميان : فاسر ، وان أسر بوصل الألف من سرى ، وباقي السبعة بقطعها ، وأهله ابنتاه ، وطائفة يسيرة من المؤمنين بقطع من الليل . قال ابن عباس : بطائفة من الليل ، وقال الضحاك : ببقية من آخره ، وقال قتادة : بعد مضي صدر منه ، وقال ابن الأعرابي : أي ساعة من الليل ، وقيل : بظلمة ، وقيل : إنه نصف ، وقيل : إنه نصف الليل مأخوذ من قطعه نصفين . وقال الشاعر :
ونائحة تنوح بقطع ليل * على رجل بقارعة الصعيد
وقال محمد بن زياد : السحر ، لقوله : نجيناهم بسحر . قال ابن عطية : ويحتمل أنه أسرى بأهله من أول الليل حتى جاوز البلد المقتلع ، ووقعت نجاته بسحر . فتجتمع هذه الآية مع قوله
إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ
« 1 » انتهى . وقال ابن الأنباري : القطع بمعنى القطعة ، مختص بالليل ، ولا يقال عندي قطع من الثوب . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : إلا امرأتك بالرفع ، وباقي السبعة بالنصب . فوجه النصب على أنه استثناء من قوله بأهلك ، إذ قبله أمر ، والأمر عندهم كالواجب . ويتعين النصب على الاستثناء من أهلك في قراءة عبد اللّه ، إذ سقط في قراءته وفي مصحفه : ولا يلتفت منكم أحد . وجوزوا أن يكون منصوبا على الاستثناء من أحد وإن كان قبله نهى ، والنهي كالنفي على أصل الاستثناء ، كقراءة ابن عامر : ما فعلوه إلا قليلا منهم بالنصب ، وإن كان قبله نفي . ووجه الرفع على أنه بدل من أحد ، وهو استثناء متصل . وقال أبو عبيد : لو كان الكلام ولا يلتفت برفع الفعل ، ولكنه نهى . فإذا استثنيت المرأة من أحد وجب أن تكون المرأة أبيح
هامش
( 1 ) سورة القمر : 54 / 34 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 189 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل