تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
على أن اشتبه عليه ما يجب بما يجب أن لا يشتبه . وقال ابن عطية : معنى قوله : فلا تسألن ما ليس لك به علم ، أي إذ وعدتك فاعلم يقينا أنه لا خلف في الوعد ، فإذا رأيت ولدك لم يحمل فكان الواجب عليك أن تقف وتعلم أنّ ذلك لحق واجب عند اللّه ، ولكنّ نوحا عليه السلام حملته شفقة البنوة وسجية البشر على التعرض لنفحات الرحمة والتذكير ، وعلى هذا القدر وقع عقابه ، ولذلك جاء بتلطف وترج في قوله : إني أعظك أن تكون من الجاهلين . ويحتمل قوله : فلا تسألن ما ليس لك به علم ، أي : لا تطلب مني أمرا لا تعلم المصلحة فيه علم يقين ، ونحا إلى هذا أبو علي الفارسي وقال : إن به يجوز أن يتعلق بلفظ عام كما قال الشاعر : كأن جزائي بالعصا أن أجلدا ويجوز أن يكون به بمنزلة فيه ، فتتعلق الباء بالمستقر . واختلاف هذين الوجهين إنما هو لفظي ، والمعنى في الآية واحد . وذكر الطبري عن ابن زيد تأويلا في قوله : إني أعظك أن تكون من الجاهلين لا يناسب النبوة تركناه ، ويوقف عليه في تفسير ابن عطية . وقيل : سأل نوح ربه حين صار عنه ابنه بمعزل ، وقيل : قبل أن عرف هلاكه ، وقيل : بعد أن عرف هلاكه سأل اللّه له المغفرة . أن أسألك من أن أطلب في المستقبل ما لا علم لي بصحته تأديبا بأدبك ، واتعاظا بموعظتك ، وهذه إنابة من نوح عليه السلام وتسليم لأمر اللّه . قال ابن عطية : والسؤال الذي وقع النهي عنه والاستعاذة والاستغفار منه هو سؤال العزم الذي معه محاجة ، وطلبه ملحة فيما قد حجب وجه الحكمة فيه . وأما السؤال في الأمور على جهة التعلم والاسترشاد فغير داخل في هذا ، وظاهر قوله : فلا تسألن ما ليس لك به علم ، يعم النحوين من السؤال ، ولذلك نبهت على أنّ المراد أحدهما دون الآخر ، والخاسرون هم المغبونون حظوظهم من الخير انتهى . ونسب نوح النقص والذنب إلى نفسه تأدبا مع ربه فقال : وإلا تغفر لي ، أي ما فرط من سؤالي وترحمني بفضلك ، وهذا كما قال آدم عليه السلام .
قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ . تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
: بني الفعل للمفعول ، فقيل : القائل هو اللّه تعالى ، وقيل : الملائكة تبليغا عن اللّه تعالى . والظاهر الأول لقوله : منا ، وسنمتعهم . أمر عند نزوله بالهبوط من السفينة ومن الجبل مع أصحابه للانتشار في الأرض ، والباء للحال أي :
البحر المحيط في التفسير — صفحة 163 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل