وحديث بعث نوح عليه السلام الغراب والحمامة ليأتياه بخبر كمال الغرق اللّه أعلم بما كان من ذلك .
وقرأ الأعمش وابن أبي عبلة على الجودي بسكون الياء مخففة . قال ابن عطية : وهما لغتان ، وقال صاحب اللوامح : هو تخفيف ياءي النسب ، وهذا التخفيف بابه الشعر لشذوذه ، والظاهر أن قوله : وقيل بعدا من قول اللّه تعالى كالأفعال السابقة ، وبنى الجميع للمفعول للعلم بالفاعل ، وقيل : من قول نوح والمؤمنين ، قيل : ويحتمل أن يكون من قول الملائكة ، قيل : ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عن بلوغ الأمر ذلك المبلغ وإن لم يكن ، ثم قول محسوس . ومعنى بعدا هلاكا يقال : بعد يبعد بعدا وبعدا إذا هلك ، واللام في للقوم من صلة المصدر . وقيل : تتعلق بقوله : وقيل ، والتقدير وقيل لأجل الظالمين ، إذ لا يمكن أن يخاطب الهالك إلا على سبيل المجاز . ومعنى ونادى نوح ربه أي : أراد أن يناديه ، ولذلك أدخل الفاء ، إذ لو كان أراد حقيقة النداء والإخبار عن وقوعه منه لم تدخل الفاء في فقال ، ولسقطت كما لم تدخل في قوله :
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ
« 1 » والواو في هذه الجملة لا ترتب أيضا ، وذلك أن هذه القصة كانت أول ما ركب نوح السفينة ، ويظهر من كلام الطبري أن ذلك من بعد غرق الابن . وفي قوله : إن ابني من أهلي ، ظهور أنه ولده لصلبه . ومعنى من أهلي أي : الذي أمرت أن أحملهم في السفينة لقوله :
احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ
« 2 » ولم يظن أنه داخل فيمن استثناه اللّه بقوله : إلا من سبق عليه القول منهم لظنه أنه مؤمن وعموم قوله : ومن آمن يشمل من آمن من أهله ومن غير أهله ، وحسن الخطاب بقوله : وإن وعدك الحق ، أي الوعد الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به ، وقد وعدتني أن تنجي أهلي ، وأنت أعلم الحكام وأعدلهم .
قال الزمخشري : ويجوز أن تكون من الحكمة حاكم بمعنى النسبة ، كما يقال : دارع من الدرع ، وحائض وطالق على مذهب الخليل انتهى . ومعنى ليس من أهلك على قول من قال : إنه ابنه لصلبه أي الناجين ، أو الذين عمهم الوعد . ومن زعم أنه ربيبه فهو ليس من أهله حقيقة ، إذ لا نسبة بينه وبينه بولادة ، فعلى هذا نفى ما قدّر أنه داخل في قوله :
وأهلك ، ثم علل انتفاء كونه ليس من أهله بأنه عمل غير صالح . والظاهر أنّ الضمير في أنه عائد على ابن نوح لا على النداء المفهوم من قوله : ونادى المتضمن سؤال ربه ، وجعله
هامش
( 1 ) سورة مريم : 19 / 3 .
( 2 ) سورة هود : 11 / 40 .