تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا
« 1 » ومعناه لن يتقبل منكم أنفقتم طوعا أو كرها . ونحوه قوله تعالى :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
« 2 » وقوله : أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة . أي لن يغفر اللّه لهم استغفرت لهم أو لا تستغفر لهم ، ولا نلومك أسأت إلينا أم أحسنت انتهى . وعن بعضهم غير هذا بأن معناه الجزاء والشرط أي : إن تنفقوا طوعا أو كرها لم يتقبل منكم ، وذكر الآية وبيت كثير على هذا المعنى . قال ابن عطية : أنفقوا أمر في ضمنه جزاء ، وهذا مستمر في كل أمر معه جزاء ، والتقدير : إن تنفقوا لن نتقبل منكم . وأما إذا عرى الأمر من الجواب فليس يصحبه تضمن الشرط انتهى . ويقدح في هذا التخريج أنّ الأمر إذا كان فيه معنى الشرط كان الجواب كجواب الشرط ، فعلى هذا يقتضي أن يكون التركيب فلن يتقبل بالفاء ، لأنّ لن لا تقع جوابا للشرط إلا بالفاء ، فكذلك ما ضمن معناه . ألا ترى جزمه الجواب في مثل اقصد زيدا يحسن إليك ، وانتصب طوعا أو كرها على الحال ، والطوع أن يكون من غير إلزام اللّه ورسوله ، والكره إلزام ذلك . وسمّى الإلزام كراها لأنهم منافقون ، فصار الإلزام شاقا عليهم كالإكراه . أو يكون من غير إلزام من رؤسائكم ، أو إلزام منهم لأنهم كانوا يحملونهم على الإنفاق لما يرون فيه من المصلحة . والجمهور على أنّ هذه نزلت بسبب الجد بن قيس حين استأذن في القعود وقال : هذا مالي أعينك به . وقال ابن عباس : فيكون من إطلاق الجمع على الواحد أوله ولمن فعل فعله . فقد نقل البيهقي وغيره من الأئمة أنهم كانوا ثلاثة وثمانين رجلا ، استثنى منهم الثلاثة الذين خلفوا وأهلك الباقون ، ونفى التقبل إما كون الرسول لم يقبله منهم ورده ، وإما كون اللّه لا يثيب عليه ، وعلل انتفاء التقبل بالفسق . قال الزمخشري : وهو التمرد والعتو ، والأولى أن يحمل على الكفر . قال أبو عبد اللّه الرازي : هذه إشارة إلى أنّ عدم القبول معلل بكونهم فاسقين ، فدلّ على أن الفسق يؤثر في إزالة هذا المعنى . وأكد الجبائي ذلك بدليله المشهور في هذه المسألة ، وهو أن الفسق يوجب الذم والعقاب الدائمين ، والطاعة توجب المدح والثواب الدائمين ، والجمع بينهما محال . فكان الجمع بين استحقاقهما محالا ، وقد أزال اللّه هذه الشبهة بقوله :
وَما مَنَعَهُمْ
« 3 » الآية وأن تصريح هذا اللفظ لا يؤثر في القبول إلا الكفر . ودل ذلك على أن مطلق الفسق لا يحبط الطاعات ، فنفى تعالى أنّ عدم القبول
هامش
( 1 ) سورة مريم : 19 / 75 . ( 2 ) سورة التوبة : 9 / 80 . ( 3 ) سورة التوبة : 9 / 54 .