تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
وأحبوا المقام ، نزلت عتابا على من تخلف عن هذه الغزوة ، وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام ، غزا فيها الروم في عشرين ألفا من راكب وراجل ، وتخلف عنه قبائل من الناس ورجال من المؤمنين كثير ومنافقون . وخص الثلاثة بالعتاب الشديد بحسب مكانهم من الصحبة ، إذ هم من أهل بدر وممن يقتدى بهم ، وكان تخلفهم لغير علة حسبما يأتي إن شاء اللّه تعالى . ولما شرح معاتب الكفار رغب في مقابلتهم . وما لكم استفهام معناه الإنكار والتقريع ، وبني قيل للمفعول ، والقائل هو الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يذكر إغلاظا ومخاشنة لهم وصونا لذكره . إذ أخلد إلى الهوينا والدعة : من أخلد وخالف أمره صلى اللّه عليه وسلم . وقرأ الأعمش : تثاقلتم وهو أصل قراءة الجمهور اثاقلتم ، وهو ماض بمعنى المضارع ، وهو في موضع الحال ، وهو عامل في إذا أي : ما لكم تتثاقلون إذا قيل لكم انفروا . وقال أبو البقاء : الماضي هنا بمعنى المضارع أي : ما لكم تتثاقلون ، وموضعه نصب . أي : أيّ شيء لكم في التثاقل ، أو في موضع جر على مذهب الخليل انتهى . وهذا ليس بجيد ، لأنه يلزم منه حذف أن ، لأنه لا ينسبك مصدر إلا من حرف مصدري والفعل ، وحذف أن في نحو هذا قليل جدا أو ضرورة . وإذا كان التقدير في التثاقل فلا يمكن عمله في إذا ، لأن معمول المصدر الموصول لا يتقدم عليه فيكون الناصب لإذا ، والمتعلق به في التثاقل ما هو معلوم لكم الواقع خبرا لما . وقرئ : اثاقلتم على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ ، ولا يمكن أن يعمل في إذا ما بعد حرف الاستفهام . فقال الزمخشري : يعمل فيه ما دل عليه ، أو ما في ما لكم من معنى الفعل ، كأنه قال : ما تصنعون إذا قيل لكم ، كما تعمله في الحال إذا قلت : ما لك قائما . والأظهر أن يكون التقدير : ما لكم تتثاقلون إذا قيل لكم انفروا ، وحذف لدلالة اثاقلتم عليه . ومعنى اثاقلتم إلى الأرض : ملتم إلى شهوات الدنيا حين أخرجت الأرض ثمارها قاله مجاهد وكرهتم مشاق السفر . وقيل ملتم إلى الإقامة بأرضكم قاله : الزجاج . ولما ضمن معنى الميل والإخلاد عدي بإلى . وفي قوله : أرضيتم ، نوع من الإنكار والتعجب أي : أرضيتم بالنعيم العاجل في الدنيا الزائل بدل النعيم الباقي . ومن تظافرت أقوال المفسرين على أنها بمعنى بدل أي : بدل الآخرة كقوله :
لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً
« 1 » أي بدلا ، ومنه قول الشاعر :
فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على طهيان
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : 43 / 60 .