تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
صفرا ، وربيعا الآخر ربيعا الأول ، وهكذا في سائر الشهور يستقبلون نسيئهم في المحرم الموضوع لهم ، فيسقط على هذا حكم المحرم الذي حلل لهم ، وتجيء السنة من ثلاثة عشر شهرا أولها المحرم المحلل ، ثم المحرم الذي هو في الحقيقة صفر ، ثم استقبال السنة كما ذكرنا . قال مجاهد : ثم كانوا يحجون في كل عام شهرين ولاء ، وبعد ذلك يبدلون فيحجون عامين ولاء ، ثم كذلك حتى كانت حجة أبي بكر في ذي القعدة حقيقة ، وهم يسمونه ذا الحجة ثم حج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سنة عشر في ذي الحجة حقيقة ، فذلك قوله : « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهرا أربعة حرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان » . ومناسبة هذه الآية أنه لما ذكر أنواعا من قبائح أهل الشرك وأهل الكتاب ، ذكر أيضا نوعا منه وهو تغيير العرب أحكام اللّه تعالى ، لأنه حكم في وقت بحكم خاص ، فإذا غيّروا ذلك الوقت فقد غيروا حكم اللّه . والشهور : جمع كثرة لما كانت أزيد من عشرة ، بخلاف قوله : « الحج أشهر معلومات » « 1 » فجاء بلفظ جمع القلة ، والمعنى : شهور السنة القمرية ، لأنهم كانوا يؤرخون بالسنة القمرية لا شمسية ، توارثوه عن إسماعيل وإبراهيم . ومعنى عند اللّه : أي ، في حكمه وتقديره كما تقول : هذا عند أبي حنيفة . وقيل : التقدير عدة الشهور التي تسمى سنة واثنا عشر ، لأنهم جعلوا أشهر العام ثلاثة عشر . وقرأ ابن القعقاع وهبيرة عن حفص : بإسكان العين مع إثبات الألف ، وهو جمع بين ساكنين على غير حدة ، كما روي : التقت حلقتا البطان بإثبات ألف حلقتا . وقرأ طلحة : بإسكان الشين ، وانتصب شهرا على التمييز المؤكد كقولك : عندي من الرجال عشرون رجلا . ومعنى في كتاب اللّه قال ابن عباس : هو اللوح المحفوظ . وقيل : في إيجاب اللّه . وقيل : في حكمه . وقيل : في القرآن ، لأن السنة المعتبرة في هذه الشريعة هي السنة القمرية ، وهذا الحكم في القرآن . قال تعالى :
وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
« 2 » وقال :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
« 3 » قال ابن عطية : أي فيما كتبه وأثبته في اللوح المحفوظ وغيره ، فهي صفة فعل مثل خلقه ورزقه ، وليس بمعنى قضائه وتقديره ، لأن تلك هي قبل خلق السماوات والأرض انتهى . وعند اللّه متعلق بعدة . وقال الحوفي : في
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 197 . ( 2 ) سورة يونس : 10 / 5 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 189 .