تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
عن الفتنة ، لأنّ الإعراض اختيار للأفضل والأدخل في الورع والزهد في الدنيا ، والاقتناء مباح موسع لا يذم صاحبه ، وما روي عن عليّ كلام في الأفضل . وقرأ أبو السمال ويحيى بن يعمر : يكنزون بضم الياء ، وخص بالذكر الذهب والفضة من بين سائر الأموال لأنهما قيم الأموال وأثمانها ، وهما لا يكنزان إلا عن فضلة وعن كثرة ، ومن كنزهما لم يعدم سائر أجناس الأموال ، وكنزهما يدل على ما سواهما . والضمير في : ولا ينفقونها ، عائد على الذهب ، لأن تأنيثه أشهر ، أو على الفضة . وحذف المعطوف في هذين القولين أو عليهما باعتبار أن تحتهما أنواعا ، فروعي المعنى كقوله :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
« 1 » أو لأنهما محتويان على جمع دنانير ودراهم ، أو على المكنوزات ، لدلالة يكنزون . أو على الأموال ، أو على النفقة وهي المصدر الدال عليه . ولا ينفقونها ، أو على الزكاة أي : ولا ينفقون زكاة الأموال أقوال . وقال كثير من المفسرين : عاد على أحدهما كقوله :
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً
« 2 » وليس مثله ، لأن هذا عطف بأو ، فحكمهما أنّ الضمير يعود على أحد المتعاطفين بخلاف الواو ، إلا أن ادّعى أنّ الواو في والفضة بمعنى أو ليمكن ، وهو خلاف الظاهر .
يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
يقال : حميت الحديدة في النار أي أوقدت عليها لتحمى ، وتقول : أحميتها أدخلتها لكي تحمى أيضا فحميت . وقرأ الجمهور : يوم يحمى عليها بالياء ، أصله يحمى النار عليها ، فلما حذف المفعول الذي لم يسم فاعله ، وأسند الفعل إلى الجملة والمجرور ، لم تلحق التاء كما تقول : رفعت القصة إلى الأمير . وإذا حذفت القصة وقام الجار والمجرور مقامها قلت : رفع إلى الأمير ، ويدل على أنّ ذلك في الأصل مسند إلى النار ، قراءة الحسن وابن عامر في رواية تحمى بالتاء . وقيل : من قرأ بالياء ، فالمعنى : يحمى الوقود . ومن قرأ بالتاء فالمعنى : تحمى النار . والناصب ليوم أليم أو مضمر يفسره عذاب أي : يعذبون يوم يحمى . وقرأ أبو حيوة : فيكوى بالياء ، لما كان ما أسند إليه ليس تأنيثه حقيقيا ، ووقع الفصل أيضا ذكر ، وأدغم قوم جباههم وهي مروية عن أبي عمر وذلك في الإدغام الكبير ، كما أدغم مناسككم وما سلككم ، وخصت هذه المواضع بالكي . قيل : لأنه في الجهة أشنع ، وفي الجنب والظهر أوجع . وقيل : لأنها
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : 49 / 9 . ( 2 ) سورة الجمعة : 62 / 11 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 412 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل