الجامعون لتلك الأوصاف الذميمة هم المعتدون المجاوزون الحد في الظلم والشر ونقض العهد .
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ
أي فإن تابوا عن الكفر ونقض العهد والتزموا أحكام الإسلام فإخوانكم ، أي : فهم إخوانكم ، والإخوان ، والإخوة جمع أخ من نسب أو دين . ومن زعم أنّ الإخوة تكون في النسب ، والإخوان في الصداقة ، فقد غلط . قال تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
« 1 » وقال : أو بيوت إخوانكم ، وعلق حصول الأخوة في الدين على الالتباس بمجموع الثلاثة ، ويظهر أنّ مفهوم الشرط غير مراد .
وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
أي نبيّنها ونوضحها . وهذه الجملة اعتراض بين الشرطين ، بين قوله : فإن تابوا ، وقوله : وإن نكثوا ، بعثا وتحريضا على تأمل ما فصل تعالى من الأحكام ، وقال لقوم يعلمون لأنه لا يتأمل تفصيلها إلا من كان من أهل العلم والفهم .
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ
أي : وإن نقضوا إقسامهم من بعد ما تعاهدوا وتحالفوا على أن لا ينكثوا . وطعنوا : أي عابوه وثلبوه واستنقصوه . والطعن هنا مجاز ، وأصله الإصابة بالرمح أو العود وشبهه ، وهو هنا بمعنى العيب كما
جاء في حديث إمارة أسامة : « إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل »
أي عبتموها واستنقصتموها . والظاهر أنّ هذا الترديد في الشرطين هو في حق الكفار أصلا ، لأنّ من أسلم ثم ارتد فيكون قوله : فقاتلوا أئمة الكفر ، أي رؤساء الكفر وزعماءه . والمعنى : فقاتلوا الكفار ، وخص الأئمة بالذكر لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على البقاء على الكفر . وقال الكرماني : كل كافر إمام نفسه ، فالمعنى فقاتلوا كل كافر . وقيل : من أقدم على نكث العهد والطعن في الدين صار رأسا في الكفر ، فهو من أئمة الكفر . وقال ابن عباس : أئمة الكفر زعماء قريش . وقال القرطبي : هو بعيد ، لأن الآية في سورة براءة ، وحين نزلت كان اللّه قد استأصل شأفة قريش ولم يبق منهم إلا مسلم أو مسالم . وقال قتادة : المراد أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة ، وغيرهم ، وهذا ضعيف إن لم يؤخذ على جهة المثال ، لأن الآية نزلت بعد بدر بكثير . وروي عن حذيفة أنه قال : لم يجئ هؤلاء بعد ، يريد لم ينقرضوا فهم يجيئون أبدا ويقاتلون . وقال ابن عطية :
أصوب ما في هذا أن يقال : إنه لا يعني بها معين ، وإنما دفع الأمر بقتال أئمة الناكثين
هامش
( 1 ) سورة الحجرات : 49 / 10 .