تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
وهو : أنه لو أعمل الأول لأضمر في الثاني ، وحتى لا تجر المضمر ، فلذلك لا يصح أن يكون من باب التنازع . لكن من ذهب من النحويين إلى أنّ حتى تجر المضمر يجوز أن يكون ذلك عنده من باب التنازع ، وكون حتى لا تجر المضمر هو مذهب الجمهور . ولما كان القرآن أعظم المعجزات ، علق السماع به ، وذكر السماع لأنه الطريق إلى الفهم . وقد يراد بالسماع الفهم تقول لمن خاطبته فلم يقبل منك : أنت لم تسمع ، تريد لم تفهم . وكلام اللّه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ، لا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق ومأمنه مكان أمنه . وقيل : مأمنه مصدر ، أي ثم أبلغه أمنه . وقد استدلت المعتزلة بقوله : « حتى يسمع كلام اللّه » على حدوث كلام اللّه ، لأنه لا يسمع إلا الحروف والأصوات . ومعلوم بالضرورة حدوث ذلك ، وهذا مذكور في علم الكلام . وفي هذه الآية دلالة على أنّ النظر في التوحيد أعلى المقامات ، إذ عصم دم الكافر المهدر الدم بطلبه النظر والاستدلال ، وأوجب على الرسول أن يبلغه مأمنه . وفيها دلالة على أنّ التقليد غير كاف في الدين ، إذ كان لا يمهل بل يقال له : إما أن تسلم ، وإما أن تقتل . وفيها دلالة على أنه بعد سماع كلام اللّه لا يقر بأرض الإسلام ، بل يبلغ مأمنه ، وأنه يجب حفظه وحوطته مدة يسمع فيها كلام اللّه . والخطاب بقوله : استجارك وفأجره ، يدل على أنّ أمان السلطان جائز ، وأما غيره فالحر يمضي أمانه . وقال ابن حبيب : ينظر الإمام فيه والعبد . قال الأوزاعي ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، ومحمد بن الحسن ، وأبو ثور ، وداود : له الأمان ، وهو مشهور مذهب مالك . وقال أبو حنيفة : لا أمان له ، وهو قول في مذهب مالك . والحرة لها الأمان على قول الجمهور . وقال عبد الملك بن الماجشون : لا ، إلا أن يجيره الإمام ، وقوله شاذ . والصبي إذا أطاق القتال جاز أمانه ، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون ، أي ذلك الأمر بالإجارة وإبلاغ المأمن ، بسبب أنهم قوم جهلة لا يعلمون ما الإسلام وما حقيقة ما تدعو إليه ، فلا بد من إعطائهم الأمان حتى يسمعوا ويفهموا الحق ، قاله الزمخشري . وقال ابن عطية : إشارة إلى هذا اللطف في الإجارة والإسماع وتبليغ المأمن ، لا يعلمون نفي علمهم بمراشدهم في اتباع الرسول صلى اللّه عليه وسلم .
كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
هذا استفهام معناه التعجب والاستنكار والاستبعاد . قال التبريزي والكرماني : معناه النفي ، أي لا يكون لهم عهد وهم لكم ضد . ونبه على علة انتفاء العهد بالوصف الذي قام به وهو الإشراك . وقال القرطبي :