تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 718

مساهمون:

ص٧١٨
الإسلام حتى يكتب عليهم القتال . وروي عن ابن عباس : أن الحسنة هنا هي السلامة والأمن ، والسيئة الأمراض والخوف . وعنه أيضا : الحسنة الخصب والرخاء ، والسيئة الجدب والغلاء . وعنه أيضا : الحسنة السراء ، والسيئة الضراء . وقال الحسن وابن زيد : الحسنة النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر ، والسيئة البلية والشدة والقتل يوم أحد . وقيل : الحسنة الغنى ، والسيئة الفقر . والمعنى : أن هؤلاء المنافقين إذا أصابتهم حسنة نسبوها إلى اللّه تعالى ، وأنها ليست باتباع الرسول ، ولا الإيمان به ، وإنّ تصبهم سيئة أضافوها إلى الرسول وقالوا : هي بسببه ، كما جاء في قوم موسى :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ
« 1 » وفي قوم صالح :
قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ
« 2 » . وروى جماعة من المفسرين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما قدم المدينة قال اليهود والمنافقون : ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه .
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أمر اللّه نبيه أن يخبرهم أنّ كلّا من الحسنة والسيئة إنما هو من عند اللّه ، لا خالق ولا مخترع سواه ، فليس الأمر كما زعمتم ، فاللّه تعالى وحده هو النافع الضار ، وعن إرادته تصدر جميع الكائنات .
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
هذا استفهام معناه التعجب من هذه المقالة ، وكيف ينسب ما هو من عند اللّه لغير اللّه ؟ أي أن هؤلاء كانوا ينبغي لهم أن يكونوا ممن يتفهم الأشياء ، ويتوقفون عما يريدون أن يقولوا حتى يعرضوه على عقولهم . وبالغ تعالى في قلة فهمهم وتعقلهم ، حتى نفى مقاربة الفقه ، ونفي المقاربة أبلغ من نفي الفعل . وهذا النوع من الاستفهام يتضمن إنكار ما استفهم عن علته ، وأنه ينبغي أن يوجد مقابله . فإذا قيل : ما لك قائما ، فهو إنكار للقيام ، ومتضمن أن يوجد مقابله . وإذا قيل : ما لك لا تقوم ، فهو إنكار لترك القيام ، ومتضمن أن يوجد مقابله . قيل في قوله : حديثا ، أي القرآن لو تدبروه لبصرهم في الدين ، وأورثهم اليقين . وقال ابن بحر : لامهم على ترك التفقه فيما أعلمهم به وأدبهم في كتابه . ووقف أبو عمرو والكسائي على قوله : فما ، ووقف الباقون على اللام في قوله : فمال ، اتباعا للخط . ولا ينبغي تعمد ذلك ، لأن الوقف على فما فيه قطع عن الخبر ، وعلى اللام فيه قطع عن المجرور دون حرف الجر ، وإنما يكون ذلك لضرورة انقطاع النفس .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 7 / 131 . ( 2 ) سورة النمل : 27 / 47 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 718 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل