تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 715

مساهمون:

ص٧١٥
ذلك ما التزمه الزمخشري ، بل يكون خشية معطوفا على محل الكاف ، وأشدّ منصوبا على الحال لأنه كان نعت نكرة تقدم عليها فانتصب على الحال والتقدير : يخشون الناس مثل خشية اللّه أو خشية أشد منها . وقد ذكرنا هذا التخريج في قوله تعالى :
أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً
« 1 » وأوضحناه هناك . وخشية اللّه مصدر مضاف إلى المفعول ، والفاعل محذوف أي : كخشيتهم اللّه . وأو على بابها من الشك في حق المخاطب ، وقيل : للإبهام على المخاطب . وقيل : للتخيير . وقيل : بمعنى الواو . وقيل : بمعنى بل . وتقدّم نظير هذه الأقوال في قوله :
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
« 2 » ولو قيل أنها للتنويه ، لكان قولا يعني : أنّ منهم من يخشى الناس كخشية اللّه ، ومنهم من يخشاهم خشية تزيد على خشيتهم اللّه .
وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ
الظاهر أن القائلين هذا : هم منافقون ، لأن اللّه تعالى إذا أمر بشيء لا يسأل عن علته من هو خالص الإيمان ، ولهذا جاء السياق بعده :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ
« 3 » وهذا لا يصدر إلا من منافق . ولولا للتحضيض بمعنى هلّا وهي كثيرة في القرآن . والأجل القريب هنا هو موتهم على فرشهم كذا قاله المفسرون . وذكر في حرف ابن مسعود : لولا أخرتنا إلى أجل قريب فنموت حتف أنفنا ولا نقتل ، فتسر بذلك الأعداء . ومن قال : إنه من قول المؤمنين ، فيكونون قد طلبوا التأخير في كتب القتال إلى وقت ظهور الإسلام وكثرته ، وهو بعيد . لأن لفظ لم رد في صدر أمر اللّه ، وعدم استسلامهم له مع قولهم : وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك . وقال الزمخشري : لولا أخرتنا إلى أجل قريب استزادة في مدّة الكف ، واستمهال إلى وقت آخر كقوله :
لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ
« 4 » . وقال الراغب : وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، يجوز أن يكون تفوهوا به ، ويجوز أن يكون اعتقدوه وقالوا في أنفسهم ، فحكى تعالى ذلك عنهم تنبيها على أنهم لما استصعبوا ذلك دل استصعابهم على أنهم غير واثقين بأحوالهم .
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى
تقدم الكلام على كون متاع الدنيا قليلا في قوله :
مَتاعٌ قَلِيلٌ *
« 5 » وإنما قل : لأنه فان ، ونعيم الآخرة مؤبد ، فهو خير لمن
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 200 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 74 . ( 3 ) سورة النساء : 4 / 78 . ( 4 ) سورة المنافقون : 63 / 10 . ( 5 ) سورة النساء : 4 / 77 .