تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
حملا على المعنى . وقيل : انتصب على الذم . ويجوز عندي أن يكون صفة لمن ، ولم يذكروا هذا الوجه . وقيل : هو في موضع رفع على إضمار مبتدأ محذوف ، أي : هم الذين . وقال أبو البقاء : يجوز أن يكون بدلا من الضمير في فخورا ، وهو قلق . فهذه ستة أوجه يكون فيها الذين يبخلون متعلقا بما قبله ، ويكون الباخلون منفيا عنهم محبة اللّه تعالى ، وتكون الآية إذن في المؤمنين ، والمعنى : أحسنوا أيها المؤمنون إلى من سمى اللّه ، فإن اللّه لا يحب من فيه الخلال المانعة من الإحسان إليهم وهي : الخيلاء ، والفخر ، والبخل ، والأمر به ، وكتمان ما أعطاهم اللّه من الرزق والمال . وقيل : الذين يبخلون في موضع رفع على الابتداء ، واختلفوا في الخبر : أهو محذوف ؟ أم ملفوظ به ؟ فقيل : هو ملفوظ به وهو قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها
« 1 » ويكون الرابط محذوفا تقديره : مثقال ذرة لهم ، أو لا يظلمهم مثقال ذرة . وإلى هذا ذهب الزجاج ، وهو بعيد متكلف لكثرة الفواصل بين المبتدأ والخبر ، ولأن الخبر لا ينتظم مع المبتدأ معناه : انتظاما واضحا لأنّ سياق المبتدأ وما عطف عليه ظاهرا من قوله : والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ، لا يناسب أن يخبر عنه بقوله : إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ، بل مساق أنّ اللّه لا يظلم أن يكون استئناف كلام إخبارا عن عدله وعن فضله تعالى وتقدس . وقيل : هو محذوف فقدره الزمخشري : الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون أحقاء بكل ملامة . وقدره ابن عطية : معذبون أو مجازون ونحوه . وقدره أبو البقاء : أولئك قرناؤهم الشيطان ، وقدره أيضا : مبغضون . ويحتمل أن يكون التقدير : كافرون
وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ
« 2 » فإن كان ما قبل الخبر مما يقتضي كفرا حقيقة كتفسيرهم البخل بأنه بخل بصفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وبإظهار نبوّته . والأمر بالبخل لأتباعهم أي : بكتمان ذلك ، وكتمهم ما تضمنته التوراة من نبوّته وشريعته ، كان قوله : واعتدنا للكافرين ، حقيقة فإن كان ما قبل الخبر كفر نعمة كتفسيرهم : أنها في المؤمنين ، كان قوله : واعتدنا للكافرين كفر نعمة ولكل من هذه التقادير مناسب من الآية ، والآية على هذه التقادير . وقول الزجاج : في الكفار ، ويبين ذلك سبب النزول المتقدم . وتقدم تفسير البخل والأمر به ، والكتمان على هذا الوجه في سبب النزول . واعتدنا للكافرين : أي أعددنا وهيأنا . والعتيد : الحاضر المهيأ والمهين الذي فيه خزي وذل ، وهو أنكى وأشد على المعذب .
هامش
( 1 ) سورة النساء : 4 / 40 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 37 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 636 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل