تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
من أهل العفاف والستر ، يغلب على الظن نصحهما . واختلفوا في المقدار الذي ينظر فيه الحكمان ، فذهب الجمهور إلى أنهما ينظران في كل شيء ، ويحملان على الظالم ، ويمضيان ما رأيا من بقاء أو فراق ، وبه قال : مالك ، والأوزاعي ، وإسحاق ، وأبو ثور . وهو مروي عن : علي ، وعثمان ، وابن عباس ، والشعبي ، والنخعي ، ومجاهد ، وأبي سلمة ، وطاوس . قال مالك : إذا رأيا التفريق فرقا ، سواء أوافق مذهب قاضي البلد أو خالفه ، وكلاه أم لا ، والفراق في ذلك طلاق بائن ، وقالت طائفة : لا ينظر الحكمان إلا فيما وكلهما به الزوجان وصرّحا بتقديمهما عليه ، فالحكمان وكيلان : أحدهما للزوج ، والآخر للزوجة ، ولا تقع الفرقة إلا برضا الزوجين ، وهو مذهب أبي حنيفة ، وعن الشافعي القولان . وقال الحسن وغيره : ينظر الحكمان في الإصلاح وفي الأخذ والإعطاء ، إلا في الفرقة فإنّها ليست إليهما . وأما ما يقول الحكمان ، فقال جماعة : يقول حكم الزوج له أخبرني ما في خاطرك ، فإن قال : لا حاجة لي فيها ، خذ لي ما استطعت وفرق بيننا ، علم أن النشوز من قبله . وإن قال : أهواها ورضها من مالي بما شئت ولا تفرق بيننا ، علم أنه ليس بناشز ويقول الحكم من جهتها لها كذلك ، فإذا ظهر لهما أن النشوز من جهته وعظاه ، وزجراه ، ونهياه .
إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما
الضمير في يريدا عائد على الحكمين قاله : ابن عباس ، ومجاهد ، وغيرهما . وفي بينهما عائد على الزوجين ، أي : قصدا إصلاح ذات البين ، وصحت نيتهما ، ونصحا لوجه اللّه ، وفق اللّه بين الزوجين وألف بينهما ، وألقى في نفوسهما المودة . وقيل : الضميران معا عائدان على الحكمين أي : إن قصدا إصلاح ذات البين ، وفق اللّه بينهما فيجتمعان على كلمة واحدة ، ويتساعدان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض . وقيل : الضميران عائدان على الزوجين أي : إن يرد الزوجان إصلاحا بينهما ، وزوال شقاق ، يزل اللّه ذلك ويؤلف بينهما . وقيل : يكون في يريدا عائدا على الزوجين ، وفي بينهما عائدا على الحكمين : أي : إن يرد الزوجان إصلاحا وفق اللّه بين الحكمين فاجتمعا على كلمة واحدة ، وأصلحا ، ونصحا . وظاهر الآية أنه لا بد من إرسال الحكمين وبه قال الجمهور . وروي عن مالك : أنه يجزي إرسال واحد ، ولم تتعرض الآية لعدالة الحكمين ، فلو كانا غير عدلين فقال عبد الملك : حكمهما منقوض . وقال ابن العربي : الصحيح نفوذه . وأجمع أهل الحل والعقد : على أن الحكمين يجوز تحكيمهما . وذهبت الخوارج : إلى أن
البحر المحيط في التفسير — صفحة 630 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل