تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
مما يمكن أن يجامع حال الإفضاء ، لأن الإفضاء وهو المباشرة والدنوّ الذي ما بعده دنو ، يقتضي أن لا يؤخذ معه شيء مما أعطاه الزوج ، ثم عطف على الإفضاء أخذ النساء الميثاق الغليظ من الأزواج . والإفضاء : الجماع قاله ، ابن مسعود ، وابن عباس ، ومجاهد ، والسدي . وقال عمر ، وعلي ، وناس من الصحابة ، والكلبي ، والفراء : هي الخلوة والميثاق ، هو قوله تعالى :
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
« 1 » قاله : ابن عباس ، والحسن ، والضحاك ، وابن سيرين ، والسدي ، وقتادة . قال قتادة : وكان يقال للناكح في صدر الإسلام : عليكم لتمسكنّ بمعروف ، أو لتسرحنّ بإحسان . وقال مجاهد وابن زيد : الميثاق كلمة اللّه التي استحللتم بها فروجهن ، وهي قول الرجل : نكحت وملكت النكاح ونحوه . وقال عكرمة : هو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم ، أخذتموهن بأمانة اللّه ، واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه » وقال قوم : الميثاق الولد ، إذ به تتأكد أسباب الحرمة وتقوى دواعي الألفة . وقيل : ما شرط في العقد من أنّ على كل واحد منهما تقوى اللّه ، وحسن الصحبة والمعاشرة بالمعروف ، وما جرى مجرى ذلك . وقال الزمخشري : الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة ، كأنه قيل : وأخذن به منكم ميثاقا غليظا ، أي بإفضاء بعضكم إلى بعض . ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه ، فقد قالوا : صحبة عشرين يوما قرابة ، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج ؟ انتهى كلامه .
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
تقدم ذكر شيء من سبب نزول هذه الآية في قوله :
لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً
« 2 » وقد ذكروا قصصا مضمونها : أنّ من العرب من كان يتزوج امرأة أبيه ، وسموا جماعة تزوجوا زوجات آبائهم بعد موت آبائهم ، فأنزل اللّه تحريم ذلك . وتقدّم الخلاف في النكاح : أهو حقيقة في الوطء ، أم في العقد ، أم مشترك ؟ قالوا : ولم يأت النكاح بمعنى العقد إلا في
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ
« 3 » وهذا الحصر منقوض بقوله :
إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ
« 4 » . واختلف في ما من قوله : ما نكح . فالمتبادر إلى الذهن أنها مفعوله ، وأنها واقعه على النوع كهي في قوله تعالى :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
« 5 » أي : ولا تنكحوا النوع الذي نكح آباؤكم . وقد تقرر في علم العربية أنّ ما تقع على أنواع من
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 229 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 19 . ( 3 ) سورة النساء : 4 / 25 . ( 4 ) سورة الأحزاب : 33 / 49 . ( 5 ) سورة النساء : 4 / 3 .