تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
بسكون الياء . وقرأ الحسن : لن يغني بالياء أولا وبالياء الساكنة آخرا ، وذلك لاستثقال الحركة في حرف اللين ، وإجراء المنصوب مجرى المرفوع . وبعض النحويين يخص هذا بالضرورة ، وينبغي أن لا يخص بها ، إذ كثر ذلك في كلامهم . و : من ، لابتداء الغاية عند المبرد ، وبمعنى : عند ، قاله أبو عبيدة ، وجعله كقوله تعالى :
أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
« 1 » قال : معناه عند جوع وعند خوف ، وكون : من ، بمعنى : عند ، ضعيف جدا . وقال الزمخشري : قوله : من اللّه ، مثله في قوله :
إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً *
« 2 » والمعنى : لن تغني عنهم من رحمة اللّه ، أو من طاعة اللّه شيئا ، أي : بدل رحمته وطاعته ، وبدل الحق . ومنه : ولا ينفع ذا الجدّ منك الجد أي : لا ينفعه جدّه وحظه من الدنيا بذلك ، أي : بدل طاعتك وعبادتك . وما عندك . وفي معناه قوله تعالى :
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى
« 3 » انتهى كلامه . وإثبات البدلية : لمن ، فيه خلاف أصحابنا ينكرونه ، وغيرهم قد أثبته ، وزعم أنها تأتي بمعنى البدل . واستدل بقوله تعالى :
أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ
« 4 »
لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً
« 5 » أي : بدل الآخرة وبدلكم . وقال الشاعر :
أخذوا المخاض من الفصيل غلبة * ظلما ويكتب للأمير أفيلا
أي بدل الفصيل ، وشيئا ينتصب على أنه مصدر ، كما تقول ضربت شيئا من الضرب ، ويحتمل أن ينتصب على المفعول به ، لأن معنى : لن تغني ، لن تدفع أو تمنع ، فعلى هذا يجوز أن يكون : من ، في موضع الحال من شيئا ، لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لها ، فلما تقدّم انتصب على الحال . وتكون : من إذ ذاك للتبعيض . فتلخص في : من ، أربعة أقوال : ابتداء الغاية ، وهو قول المبرد ، والكلبي . و : كونها بمعنى : عند ، وهو قول أبي عبيدة . و : البدلية ، وهو قول الزمخشري ، و : التبعيض ، وهو الذي قررناه .
وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ
لما قدم : إن الذين كفروا لن تغني عنهم كثرة أموالهم ،
هامش
( 1 ) سورة قريش : 106 / 4 . ( 2 ) سورة النجم : 53 / 28 . ( 3 ) سورة سبأ : 34 / 37 . ( 4 ) سورة التوبة : 9 / 38 . ( 5 ) سورة الزخرف : 43 / 60 .