تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
في تحبونهم قالوا لمنافقي اليهود . وفي الزمخشري : لمنافقي أهل الكتاب . والذي يظهر أنّه عائد على بطانة من دون المؤمنين ، فهو كل منافق حتى منافق المشركين . والمحبة هنا : الميل بالطبع لموضع القرابة والرضاع والحلف قاله ابن عباس . أو لأجل إظهار الإيمان والإحسان إلى المؤمنين قاله : أبو العالية : أو الرحمة لهم لما يقع منهم من المعاصي قاله : قتادة . أو إرادة الإسلام لهم قاله : المفضل والزجاج . وهذا ليس بجيد ، لأنه لا يقع توبيخ على معنى إرادة إسلام الكافر ، أو المصافاة ، لأنها من ثمرة المحبة .
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ
، الكتاب : اسم جنس ، أي بالكتب المنزلة قاله : ابن عباس . والتوراة والإنجيل أو التوراة أقوال ثلاثة ، وثم جملة محذوفة تقديرها : ولا تؤمنون به كله بل يقولون : نؤمن ببعض ونكفر ببعض . يدلّ عليها إثبات المقابل في تحبونهم ولا يحبونكم . والواو في وتؤمنون للعطف على تحبونهم ، فلها من الإعراب ما لها . وقال الزمخشري : والواو في وتؤمنون للحال ، وانتصابها من لا يحبونكم أي لا يحبونكم . والحال : إنكم تؤمنون بكتابهم كله ، وهم مع ذلك يبغضونكم ، فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم ؟ وفيه توبيخ شديد بأنهم في باطلهم أصل منكم في حقكم ونحوه . فإنهم يألمون كما تألمون ، وترجون من اللّه ما لا يرجون انتهى كلامه وهو حسن . إلا أنه فيه من الصناعة النحوية ما يخدشه ، وهو : أنه جعل الواو في وتؤمنون للحال ، وأنها منتصبة من لا يحبونكم . والمضارع المثبت إذا وقع حالا لا تدخل عليه واو الحال تقول : جاء زيد يضحك ، ولا يجوز ويضحك . فأما قولهم : قمت وأصك عينه ففي غاية الشذوذ . وقد أوّل على إضمار مبتدأ أي قمت وأنا أصك عينه ، فتصير الجملة اسمية . ويحتمل هذا التأويل هنا ، أي : ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كلّه ، لكن الأولى ما ذكرناه من كونها للعطف . قال ابن عطية : وتؤمنون بالكتاب كله يقتضي أن الآية في منافقي اليهود ، لا منافقي العرب . ويعترضها : أن منافقي اليهود لم يحفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون في الظاهر إيمانا مطلقا ويكفرون في الباطن ، كما كان المنافقون من العرب ، إلا ما روي من أمر زيد بن الصيف القينقاعي . فلم يبق إلا أنّ قولهم : آمنا ، معناه صدّقنا أنه نبي مبعوث إليكم . أي فكونوا على دينكم ونحن أولياؤكم وإخوانكم لا نضمر لكم إلا المودّة ، ولهذا كان بعض المؤمنين يتخذهم بطانة . وهذا منزع قد حفظ أن كثيرا من اليهود كان يذهب إليه . ويدل على هذا التأويل أنّ المعادل لقولهم : آمنا غض الأنامل من الغيظ ، وليس فيه ما
البحر المحيط في التفسير — صفحة 319 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل