تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنّ مصائب الدنيا إنما هي بمعاصي العبد . ويستنبط ذلك من غير ما آية في القرآن ، فيستقيم على ذلك أن كل حرث تحرقه الريح فإنما هو لمن قد ظلم نفسه . وقيل : ظلموا أنفسهم معناه زرعوا في غير أوان الزراعة ، أي وضعوا أفعال الفلاحة غير موضعها من وقت أو هيئة عمل . وخص هؤلاء بالذكر لأن الحرث فيما جرى هذا المجرى أوعب وأشد تمكنا ، ونحا إلى هذا القول المهدوي .
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
جوز الزمخشري وغيره أن يعود الضمير على المنفقين ، أي : ما ظلمهم بأن لم تقبل نفقاتهم . وأن يعود على أصحاب الحرث أي : ما ظلمهم بإهلاك حرثهم ، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي . وقال ابن عطية : الضمير في ظلمهم للكفار الذين تقدّم ضميرهم في ينفقون ، وليس هو للقوم ذوي الحرث ، لأنهم لم يذكروا ليردّ عليهم ، ولا لتبين ظلمهم . وأيضا قوله :
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *
. يدل على فعل الحال في حاضرين انتهى . وهو ترجيح حسن . وقرئ شاذا : ولكنّ بالتشديد ، واسمها أنفسهم ، والخبر يظلمون . والمعنى : يظلمونها هم . وحسن حذف هذا الضمير ، وإن كان الحذف في مثله قليلا كون ذلك فاصلة رأس آية ، فلو صرّح به لزال هذا المعنى . ولا يجوز أن يعتقد أنّ اسم لكن ضمير الشأن . وحذف وأنفسهم مفعول بيظلمون ، لأن حذف هذا الضمير يختص بالشعر .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا
نزلت في رجال من المؤمنين يواصلون رجالا من يهود للجوار والحلف والرضاع قاله : ابن عباس . وقال أيضا هو وقتادة والسدي والربيع : نزلت في المنافقين . نهى اللّه المؤمنين عنهم شبه الصديق الصدق بما يباشر بطن الإنسان من ثوبه . يقال : له بطانة ووليجة . وقوله : من دونكم في موضع الصفة لبطانة ، وقدّره الزمخشري : من دون أبناء جنسكم ، وهم المسلمون . وقيل : يتعلق من بقوله : لا تتخذوا . وقيل : من زائدة ، أي بطانة دونكم . والمعنى : أنهم نهوا أن يتخذوا أصفياء من غير المؤمنين . ودل هذا النهي على المنع من استكتاب أهل الذمة وتصريفهم في البيع والشراء والاستبانة إليهم . وقد عتب عمر أبا موسى على استكتابه ذميا ، وتلا عليه هذه الآية . وقد قيل لعمر في كاتب مجيد من نصارى الحيرة : ألا يكتب عنك ؟ فقال : إذن أتخذ بطانة . والجملة من قوله :
لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا
لا موضع لها من الإعراب ، إذ جاءت بيانا لحال
البحر المحيط في التفسير — صفحة 316 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل