وقال أبو علي : لم يرد الخليل بقوله : بمنزلة الذي أنها موصولة ، بل أنها اسم ، كما أن الذي اسم وفرّ أن تكون حرفا كما جاءت حرفا :
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ
« 1 » وفي قوله :
وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ
« 2 » انتهى . وتحصل من كلام الخليل وسيبويه أن : ما ، في : لما أتيتكم ، شرطية وقد خرجها على الشرطية غير هؤلاء : كالمازني ، والزجاج ، وأبي علي ، والزمخشري ، وابن عطية وفيه خدش لطيف جدّا ، وهو أنه : إذا كانت شرطية كان الجواب محذوفا لدلالة جواب القسم عليه ، وإذا كان كذلك فالمحذوف من جنس المثبت ، ومتعلقاته متعلقاته ، فإذا قلت : واللّه لمن جاءني لأكرمنه ، فجواب : من ، محذوف ، التقدير : من جاءني أكرمه . وفي الآية اسم الشرط : ما ، وجوابه محذوف من جنس جواب القسم ، وهو الفعل المقسم عليه ، ومتعلق الفعل هو ضمير الرسول بواسطة حرف الجر لا ضمير : ما ، المقدّر ، فجواب : ما ، المقدّر إن كان من جنس جواب القسم فلا يجوز ذلك ، لأنه تعرّ . والجملة الجوابية إذ ذاك من ضمير يعود على اسم الشرط ، وإن كان من غير جنس جواب القسم فكيف يدل عليه جواب القسم وهو من غير جنسه وهو لا يحذف إلّا إذا كان من جنس جواب القسم ؟ ألا ترى أنك لو قلت : واللّه لئن ضربني زيد لأضربنه ؟
فكيف تقدره : إن ضربني زيد أضربه ؟ ولا يجوز أن يكون التقدير : واللّه إن ضربني زيد أشكه لأضربنه ، لأن : لأضربنه ، لا يدل على : أشكه ، فهذا ما يرد على قول من خرج : ما ، على أنها شرطية .
وأما قول الزمخشري : ولتؤمنن ، ساد مسد جواب القسم ، والشرط جميعا فقول ظاهره مخالف لقول من جعل : ما ، شرطية ، لأنهم نصوا على أن جواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ، اللهم إن عنى أنه من حيث تفسير المعنى لا تفسير الإعراب يسد مسدهما ، فيمكن أن يقال ؛ وأما من حيث تفسير الإعراب فلا يصح ، لأن كلّا منهما ، أعني : الشرط والقسم ، يطلب جوابا على حدة ، ولا يمكن أن يكون هذا محمولا عليهما ، لأن الشرط يقتضيه على جهة العمل فيه ، فيكون في موضع جزم ، والقسم يطلبه على جهة التعلق المعنوي به بغير عمل فيه ، فلا موضع له من الإعراب . ومحال أن يكون الشيء الواحد له موضع من الإعراب ولا موضع له من الإعراب .
والقول الثاني : قاله أبو علي الفارسي وغيره ، وهو : أن تكون : ما ، موصولة مبتدأة ،
هامش
( 1 ) سورة هود : 11 / 111 .
( 2 ) سورة الزخرف : 43 / 35 .