تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
النذر وهو استدفاع المخوف بما يعقده الإنسان على نفسه من أعمال البر . وقيل : ما أوجبه الإنسان على نفسه بشريطة وبغير شريطة . قال الشاعر :
فليت رجالا فيك قد نذروا دمي * وهموا بقتلي يا بثين لقوني
و : لك ، اللام فيه لام السبب ، وهو على حذف التقدير : لخدمة بيتك ، أو للاحتباس على طاعتك .
ما فِي بَطْنِي
جزمت النذر على تقدير أن يكون ذكرا ، أو لرجاء منها أن يكون ذكرا .
مُحَرَّراً
معناه عتيقا من كل شغل من أشغال الدنيا ، فهو من لفظ الحرية . قال محمد بن جعفر بن الزبير : أو خادما للبيعة . قاله مجاهد ، أو : مخلصا للعبادة ، قاله الشعبي . ورواه خصيف عن عكرمة ، ومجاهد ، وأتى بلفظ : ما ، دون : من ، لأن الحمل إذ ذاك لم يتصف بالعقل ، أو لأن : ما ، مبهمة تقع على كل شيء ، فيجوز أن تقع موقع : من . ونسب هذا إلى سيبويه .
فَتَقَبَّلْ مِنِّي
دعت اللّه تعالى بأن يقبل منها ما نذرته له ، والتقبل أخذ الشيء على الرضا به ، وأصله المقابلة بالجزاء ، و : تقبل ، هنا بمعنى : قبل ، فهو مما تفعل فيه بمعنى الفعل المجرد ، كقولهم : تعدى الشيء وعدّاه ، وهو أحد المعاني التي جاءت لها تفعل .
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
ختمت بهذين الوصفين لأنها اعتقدت النذر ، وعقدته بنيتها ، وتلفظت به ، ودعت بقبوله . فناسب ذلك ذكر هذين الوصفين . والعامل في : إذ ، مضمر تقديره : أذكر ، قاله الأخفش ، والمبرد ، أو معنى الاصطفاء ، التقدير : واصطفى آل عمران . قاله الزجاج ، وعلى هذا يجعل
وَآلَ عِمْرانَ
من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات ، لأنه إن جعل من باب عطف المفردات لزم أن يكون العامل فيه اصطفى آدم ، ولا يسوغ ذلك لتغاير زمان هذا الاصطفاء ، وزمان قول امرأة عمران ، فلا يصح عمله فيه . وقال الطبري ما معناه : إن العامل فيه : سميع ، وهو ظاهر قول الزمخشري ، أو : سميع عليم ، لقول امرأة عمران ونيتها ، و : إذ ، منصوب به . انتهى . ولا يصح ذلك لأن قوله : عليم ، إما ان يكون خبرا بعد خبر ، أو وصفا لقوله : سميع ، فإن كان خبرا فلا يجوز الفصل به بين العامل والمعمول لأنه أجنبي منهما ، وإن كان وصفا فلا يجوز أن يعمل :
البحر المحيط في التفسير — صفحة 114 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل