تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤
ناشئ عن استدلال بالعقل ، فبطل تمسكهم بالآية . وإنما لم تتعرض الآية للاستدلال العقلي ، لأنها لم تجىء في معرض ذلك ، لأنه إنما سألهم عما يعبدونه من بعد موته ، فأحالوه على معبوده ومعبود آبائه ، وهو اللّه تعالى ، وكان ذلك أخصر في القول من شرح صفاته تعالى من الوحدانية والعلم والقدرة وغير ذلك من صفاته ، وأقرب إلى سكون نفس يعقوب ، فكأنهم قالوا : لسنا نجري إلا على طريقتك . وقد يقال : إن في قوله :
نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ
إشارة إلى الاستدلال العقلي على وجود الصانع ، لأنه قد تقدّم في أول السورة :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
« 1 » ، فمرادهم هنا بقولهم :
نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ
الإله الذي دل عليه وجود آبائك ، وهذا إشارة إلى الاستدلال .
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ
، تلك : إشارة إلى إبراهيم ويعقوب وأبنائهما . ومعنى خلت : ماتت وانقضت وصارت إلى الخلاء ، وهو الأرض الذي لا أنيس به . والمخاطب هم اليهود والنصارى الذين ادّعوا لإبراهيم وبنيه اليهودية والنصرانية . والجملة من قوله : قد خلت ، صفة لأمّة .
لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
: أي تلك الأمّة مختصة بجزاء ما كسبت ، كما أنكم كذلك مختصون بجزاء ما كسبتم من خير وشرّ ، فلا ينفع أحدا كسب غيره . وظاهر ما أنها موصولة وحذف العائد ، أي لها ما كسبته . وجوّزوا أن تكون ما مصدرية ، أي لها كسبها ، وكذلك ما في قوله :
وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
. ويجوز أن تكون الجملة من قوله :
لَها ما كَسَبَتْ
استئنافا ، ويجوز أن تكون جملة خالية من الضمير في خلت ، أي انقضت مستقرا ثابتا ، لها ما كسبت . والأظهر الأول ، لعطف قوله :
وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
على قوله :
لَها ما كَسَبَتْ
. ولا يصح أن يكون
وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
عطفا على جملة الحال قبلها ، لاختلاف زمان استقرار كسبها لها . وزمان استقرار كسب المخاطبين ، وعطف الحال على الحال ، يوجب اتحاد الزمان . افتخروا بأسلافهم ، فأخبروا أن أحدا لا ينفع أحدا ، متقدّما كان أو متأخرا . وروي : يا بني هاشم ! لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ! يا فاطمة ، لا أغني عنك من اللّه شيئا ! قال ابن عطية : وفي هذه الآية ردّ على الجبرية القائلين : لا اكتساب للعبد . انتهى . وهذه مسألة يبحث فيها في أصول الدين ، وهي من المسائل المعضلة ، ومذاهب أهل
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 21 .