تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 603

مساهمون:

ص٦٠٣
أئمة ، قال تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا
« 1 » . والخلفاء أيضا أئمة ، وكذلك القضاة والفقهاء والمصلي بالناس ، ومن يؤتم به في الباطل . قال تعالى :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ
« 2 » . فلما تناول الاسم هؤلاء كلهم ، وجب أن يحمل هنا على أشرف المراتب وأعلاها ، لأنه ذكره في معرض الامتنان ، فلا بد أن يكون أعظم نعمة ، ولا شيء أعظم من النبوة . قال ومن ذريتي ، قال الزمخشري : عطف على الكاف ، كأنه قال : وجاعل بعض ذريتي ، كما يقال لك : سأكرمك ، فتقول : وزيدا . انتهى كلامه . ولا يصح العطف على الكاف ، لأنها مجرورة ، فالعطف عليها لا يكون إلا بإعادة الجار ، ولم يعد ، ولأن من لا يمكن تقدير الجار مضافا إليها ، لأنها حرف ، فتقديرها بأنها مرادفة لبعض حتى تقدر جاعلا مضافا إليها لا يصح ، ولا يصح أن تكون تقدير العطف من باب العطف على موضع الكاف ، لأنه نصب ، فيجعل من في موضع نصب ، لأن هذا ليس مما يعطف فيه على الموضع ، على مذهب سيبويه ، لفوات المحرز ، وليس نظير : سأكرمك ، فتقول : وزيدا لأن الكاف هنا في موضع نصب . والذي يقتضيه المعنى أن يكون من ذريتي متعلقا بمحذوف ، التقدير : واجعل من ذريتي إماما ، لأن إبراهيم فهم من قوله إني جاعلك للناس إماما الاختصاص ، فسأل اللّه تعالى أن يجعل من ذريته إماما . وقرأ زيد بن ثابت : ذريتي بالكسر في الذال . وقرأ أبو جعفر بفتحها . وقرأ الجمهور بالضم ، وذكرنا أنها لغات فيها ، ومن أي شيء اشتقت حين تكلمنا على المفردات .
قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
: والضمير في قال الثانية ضمير إبراهيم ، وفي قال هذه عائد على اللّه تعالى . والعهد : الإمامة ، قاله مجاهد : أو النبوة ، قاله السدي ؛ أو الأمان ، قاله قتادة . وروي عن السدي ، واختاره الزجاج : أو الثواب قاله قتادة أيضا ؛ أو الرحمة ، قاله عطاء ؛ أو الدين ، قاله الضحاك والربيع ، أو لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه ، قاله ابن عباس ؛ أو الأمر من قوله :
إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا
« 3 » ،
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ
« 4 » ؛ أو إدخاله الجنة من قوله : كان له
عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً
« 5 » ، أن يدخله الجنة ؛ أو طاعتي ، قاله الضحاك أيضا ؛ أو الميثاق ؛ أو الأمانة . والظاهر من هذه الأقوال : أن العهد هي الإمامة ،
هامش
( 1 ) سورة السجدة : 32 / 24 . ( 2 ) سورة الأنبياء : 21 / 73 . ( 3 ) سورة آل عمران : 3 / 183 . ( 4 ) سورة يس : 36 / 60 . ( 5 ) سورة البقرة : 2 / 80 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 603 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل