ضرر عداوتهم ، وهو من لا ينبغي أن يعادى ، لأنه السفير بين اللّه وبين خلقه ، وهو جبريل .
أتى بالقرآن المصدّق لكتابهم ، والمشتمل على الهدى والبشارة لمن آمن به ، فكان ينبغي المبادرة إلى ولائه ومحبته . ثم أعقب ذلك بأن من كان عدوّا للّه ، أي مخالفا لأمره وملائكته ورسله ، أي مبغضا لهم ، فاللّه عدوّه ، أي معامله بما يناسب فعله القبيح . ثم التفت إلى رسوله بالخطاب ، فأخبره بأنه أنزل عليه آيات واضحات ، وأنها لوضوحها ، لا يكفر بها إلا متمرد في فسقه . ثم أخذ يسليه بأن عادة هؤلاء نكث عهودهم ، فلا تبال بمن طريقته هذه ، وأنهم سلكوا هذه الطريقة معك ، إذ أتيتهم من عند اللّه تعالى بالرسالة ، فنبذوا كتابه تعالى وراء ظهورهم ، بحيث صاروا لا ينظرون فيه ، ولا يلتفتون لما انطوى عليه من التبشير بك ، وإلزامهم اتباعك ، حتى كأنهم لم يطلعوا على الكتاب ، ولا سبق لهم بك علم منه . ثم ذكر من مخازيهم أنهم تركوا كتاب اللّه واتبعوا ما ألقت إليهم الشياطين من كتب السحر على عهد سليمان . ثم نزه نبيه سليمان عن الكفر ، وأن الشياطين هم الذين كفروا . ثم استطرد في أخبار هاروت وماروت ، وأنهما لا يعلمان أحدا حتى ينصحاه بأنهما جعلا ابتلاء واختبارا ، وأنهما لمبالغتهما في النصيحة ينهيان عن الكفر . ثم ذكر أن قصارى ما يتعلمون منهما هو تفريق بين المرء وزوجه . ثم ذكر أن ضرر ذلك لا يكون إلا بإذن من اللّه تعالى ، لأنه تعالى هو الضار النافع . ثم أثبت أن ما يتعلمون هو ضرر لملابسه ومتعلمه . ثم أخبر أنهم قد علموا بحقيقة الضرر ، وأن متعاطي ذلك لا نصيب له في الآخرة . ثم بالغ في ذم ما باعوا به أنفسهم ، إذ ما تعوضوه مآله إلى الخسران .
ثم ختم ذلك بما لو سلكوه ، وهو الإيمان والتقوى ، لحصل لهم من اللّه الثواب الجزيل على ذلك ، وأن جميع ما اجترموه من المآثم ، واكتسبوه من الجرائم ، يعفى على آثاره جرّ ذيل الإيمان ، ويبدّل بالإساءة جميل الإحسان . ولما كانت الآيات السابقة فيها ما يتضمن الوعيد من قوله :
فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ
، وقوله :
وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ
، وذكر نبذ العهود ، ونبذ كتاب اللّه ، واتباع الشياطين ، وتعلم ما يضر ولا ينفع ، والإخبار عنهم بأنهم علموا أنه لا نصيب لهم في الآخرة ، أتبع ذلك بآية تتضمن الوعد الجميل لمن آمن واتقى . فجمعت هذه الآيات بين الوعيد والوعد ، والترغيب والترهيب ، والإنذار والتبشير ، وصار فيها استطراد من شيء إلى شيء ، وإخبار بمغيب بعد مغيب ، متناسقا تناسق اللآلئ في عقودها ، متضحة اتضاح الدراري في مطالع سعودها ، معلمة صدق من أتى بها ، وهو ما قرأ الكتب ، ولا دارس ، ولا رحل ، ولا عاشر الأخبار ، ولا مارس