تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
تعالى هو من باب فسق العقائد ، فليس من باب فسق الأفعال . وقال الحسن : إذا استعمل الفسق في شيء من المعاصي ، وقع على أعظمه من كفر أو غيره . انتهى . وناسب قوله : بينات لفظ الكفر ، وهو التغطية ، لأن البين لا يقع فيه إلباس ، فعدم الإيمان به ليس لشبهة لأنه بين ، وإنما هو تغطية وستر لما هو واضح بين . وستر الواضح لا يقع إلا من متمرد في فسقه ، والألف واللام في الفاسقون ، إما للجنس ، وإما للعهد ، لأن سياق الآيات يدل على أن ذلك لليهود . وكنى بالفسق هنا عن الكفر ، لأن الفسق : خروج الإنسان عما حدّ له . وقد تقدّم قول الحسن أنه يدل على أعظم ما يطلق عليه ، فكأنه قيل : وما يكفر بها إلا المبالغ في كفره ، المنتهي فيه إلى أقصى غاية . وإلا الفاسقون : استثناء مفرغ ، إذ تقديره : وما يكفر بها أحد ، فنفى أن يكفر بالآيات الواضحات أحد . ثم استثنى الفساق من أحد ، وأنهم يكفرون بها . ويجوز في مذهب الفراء أن ينصب في نحو من هذا الاستثناء ، فأجاز : ما قام إلا زيدا ، على مراعاة ذلك المحذوف ، إذ لو كان لم يحذف ، لجاز النصب ، ولا يجيز ذلك البصريون .
أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً
: نزلت في مالك بن الصيف ، قال : واللّه ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا ميثاق . وقيل في اليهود : عاهدوا على أنه إن خرج لنؤمنن به ولنكوننّ معه على مشركي العرب ، فلما بعث كفروا به . وقال عطاء : هي العهود بينه وبين اليهود نقضوها ، كفعل قريظة والنضير . قال تعالى :
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ
« 1 » . وقرأ الجمهور : أو كلما ، بفتح الواو . واختلف في هذه الواو فقيل : هي زائدة ، قاله الأخفش . وقيل : هي أو الساكنة الواو ، حركت بالفتح ، وهي بمعنى بل ، قاله الكسائي . وكلا القولين ضعيف . وقيل : واو العطف ، وهو الصحيح . وقد تقدّم أن مذهب سيبويه والنحويين : أن الأصل تقديم هذه الواو ، والفاء ، وثم ، على همزة الاستفهام ، وإنما قدّمت الهمزة لأن لها صدر الكلام . وأن الزمخشري يذهب إلى أن ثم محذوفا معطوفا عليه ، مقدّرا بين الهمزة وحرف العطف ، ولذلك قدّره هنا أكفروا بالآيات البينات ؟
وَكُلَّما عاهَدُوا
« 2 » . وقد رجع الزمخشري عن اختياره إلى قول الجماعة . وقد أمعنا الكلام على ذلك في كتابنا المسمى ( بالتكميل لشرح التسهيل ) . والمراد بهذا الاستفهام : الإنكار ، وإعظام ما يقدمون عليه من تكرر عهودهم ونقضها ، فصار ذلك عادة لهم وسجية . فينبغي أن لا يكترث بأمرهم ، وأن لا يصعب ذلك ، فهي تسلية للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ كفروا بما أنزل
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : 8 / 56 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 100 .