تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
فأحرز المعنى ، ونكب عن نداء هنيدة مالك . انتهى كلامه ، وهو تخريج حسن ، ويكون إذ ذاك الجملة الشرطية معمولة للفظ : قل ، لا لقول : مضمر ، وهو ظاهر الكلام
بِإِذْنِ اللَّهِ
: أي بأمر اللّه ، اختاره في المنتخب ومنه :
لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ
« 1 » ،
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
« 2 » . وقد صرح بذلك في :
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ
« 3 » ، أو بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة ، قاله ابن عطية ؛ أو باختياره ، قاله الماوردي ، أو بتيسيره وتسهيله ، قاله الزمخشري .
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ
: انتصاب مصدقا على الحال من الضمير المنصوب في نزله ، إن كان يعود على القرآن ، وإن عاد على جبريل فيحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون حالا من المجرور المحذوف لفهم المعنى ، لأن المعنى : فإن اللّه نزل جبريل بالقرآن مصدقا . والثاني : أن يكون حالا من جبريل . وما : في لما موصولة ، وعنى بها الكتب التي أنزل اللّه على الأمم قبل إنزاله ، أو التوراة والإنجيل . والهاء : في بين يديه يحتمل أن تكون عائدة على القرآن ، ويحتمل أن تعود على جبريل . فالمعنى مصدقا لما بين يديه من الرسل والكتب .
وَهُدىً وَبُشْرى
: معطوفان على مصدّقا ، فهما حالان ، فيكون من وضع المصدر موضع اسم الفاعل كأنه قال : وهاديا ومبشرا ، أو من باب المبالغة ، كأنه لما حصل به الهدى والبشرى ، جعل نفس الهدى والبشرى . والألف في بشرى للتأنيث ، كهي في رجعي ، وهو مصدر . وقد تقدّم الكلام على المعنى في قوله :
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا *
« 4 » في أوائل هذه السورة ، والمعنى : أنه وصف القرآن بتصديقه لما تقدّمه من الكتب الإلهية ، وأنه هدى ، إذ فيه بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب والجوارح ، وأنه بشرى لمن حصل له الهدى . فصار هذا الترتيب اللفظي في هذه الأحوال ، لكون مدلولاتها ترتبت ترتيبا وجوديا . فالأول : كونه مصدّقا للكتب ، وذلك لأن الكتب كلها من ينبوع واحد . والثاني : أن الهداية حصلت به بعد نزوله على هذه الحال من التصديق . والثالث : أنه بشرى لمن حصلت له به الهداية . وقال الراغب : وهدى من الضلالة وبشرى بالجنة .
لِلْمُؤْمِنِينَ
: خص الهدى والبشرى بالمؤمنين ، لأن غير المؤمنين لا يكون لهم هدى به ولا بشرى ، كما قال :
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
« 5 » ، ولأن المؤمنين هم المبشرون ،
فَبَشِّرْ عِبادِ
« 6 » ،
هامش
( 1 ) سورة هود : 11 / 105 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 255 . ( 3 ) سورة مريم : 19 / 64 . ( 4 ) سورة البقرة : 2 / 25 . ( 5 ) سورة فصلت : 41 / 44 . ( 6 ) سورة الزمر : 39 / 17 .