تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
التوراة المبدلة المغيرة ، ويقرءونها عليهم ويقولون لهم : هذه التوراة التي أنزلت من عند اللّه ليشتروا به ثمنا قليلا . بأيديهم : تأكيد يرفع توهم المجاز ، لأن قولك : زيد يكتب ، ظاهره أنه يباشر الكتابة ، ويحتمل أن ينسب إليه على طريقة المجاز ، ويكون آمرا بذلك ، كما جاء في الحديث أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتب ، وإنما المعنى : أمر بالكتابة ، لأن اللّه تعالى قد أخبر أنه النبي الأمي ، وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ في كتاب . وقد قال تعالى :
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
« 1 » . ونظير هذا التأكيد
يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
، و
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ
، وقوله : نظرت فلم تنظر بعينيك منظرا فهذه كلها أتى بها لتأكيد ما يقتضيه ظاهر اللفظ ، ولرفع المجاز الذي كان يحتمله . وفي هذا التأكيد أيضا تقبيح لفعلهم ، إذ لم يكتفوا بأن يأمروا بالاختلاق والتغيير ، حتى كانوا هم الذين تعاطوا ذلك بأنفسهم ، واجترحوه بأيديهم . وقال ابن السرّاج : ذكر الأيدي كناية عن أنهم اختلقوا ذلك من تلقائهم ، ومن عند أنفسهم ، من غير أن ينزل عليهم . انتهى كلامه . ولا يدل على ما ذكر ، لأن مباشرة الشيء باليد لا تقتضي الاختلاق ، ولا بد من تقدير حال محذوفة يدل عليها ما بعدها ، التقدير : يكتبون الكتاب بأيديهم محرّفا ، أو نحوه مما يدل على هذا المعنى لقوله بعد ثم :
يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
، إذ لا إنكار على من يباشر الكتاب بيده إلا إذا وضعه غير موضعه ، فلذلك قدرنا هذه الحال .
ثُمَّ يَقُولُونَ
: أي لأتباعهم الأميين الذين لا يعلمون إلا ما قرئ لهم ، ومعمول القول هذه الجملة التي هي :
هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا
، علة في القول ، وهي لام كي ، وقد تقدم الكلام عليها قبل . وهي مكسورة لأنها حرف جر ، فيتعلق بيقولون . وقد أبعد من ذهب إلى أنها متعلقة بالاستقرار ، وبنو العنبر يفتحون لام كي ، قال مكي في إعراب القرآن له .
بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
، به : متعلق بقوله : ليشتروا ، والضمير عائد على الذي أشاروا إليه بقولهم :
هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
، وهو المكتوب المحرّف . وتقدّم القول في الاشتراء في قوله :
اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
« 2 » . والثمن هنا : هو عرض الدنيا ، أو الرّشا والمآكل التي كانت لهم ، ووصف بالقلة لكونه فانيا ، أو حراما ، أو حقيرا ، أو لا يوازنه شيء ، لا ثمن ، ولا مثمن . وقد جمعوا في هذا الفعل أنهم ضلوا وأضلوا وكذبوا على اللّه ، وضموا إلى ذلك
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت : 29 / 48 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 16 .