تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧
ثمنها ، وإمّا خوف فضيحة القاتل ، وإمّا قلة انقياد وتعنت على الأنبياء على ما عهد منهم . واختلفوا في هذه البقرة المذبوحة : أهي التي أمروا أولا بذبحها ، وأنها معينة في الأمر الأوّل ، وأنه لو وقع الذبح عليها أولا لما وقع إلا على هذه المعينة ؟ أم المأمور بها أوّلا هي بقرة غير مخصوصة ، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات ، فذبحوا المخصوصة ؟ فكان الأمر الأول مخصوصا لانتقال الحكم من البقرة المطلقة إلى البقرة المخصوصة ، ويجوز النسخ قبل الفعل على أن هذه البقرة المخصوصة يتناولها الأمر بذبح بقرة ، فلو وقع الذبح عليها بالخطاب الأوّل ، لكانوا ممتثلين ، فكذلك بعد التخصيص . ثم اختلف القائلون بهذا الثاني : هل الواجب كونها بالصفة الأخيرة فقط ، وهي كونها لا ذلول إلى آخره ؟ أم ينضاف إلى هذه الأوصاف في جواب السؤالين قبل ، فيجب أن يكون مع الوصف الأخير لا فارض ولا بكر ، وصفراء فاقع لونها ؟ والذي نختاره هذا الثاني ، لأن الظاهر اشتراك هذه الأوصاف ، لأن قوله : ما هي ، وما لونها ، وما هي ، يدل على ذلك ، وهذا هو الذي اشتهر في الإخبار أنها كانت بهذه الأوصاف جميعا ، وإذا كان البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة ، كان ذلك تكليفا بعد تكليف ، وذلك يدل على نسخ التسهيل بالأشق ، وعلى جواز النسخ قبل الفعل .
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً
: معطوف على قوله تعالى :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ
« 1 » . ويجوز أن يكون ترتيب وجودهما ونزولهما على حسب تلاوتهما ، فيكون اللّه تعالى قد أمرهم بذبح البقرة ، فذبحوها وهم لا يعلمون بما له تعالى فيها من السر ، ثم وقع بعد ذلك أمر القتيل ، فأظهر لهم ما كان أخفاه عنهم من الحكمة بقوله : اضربوه ببعضها ، ولا شيء يضطرنا إلى اعتقاد تقدم قتل القتيل . ثم سألوا عن تعيين قاتله ، إذ كانوا قد اختلفوا في ذلك ، فأمرهم اللّه تعالى بذبح بقرة ، فيكون الأمر بالذبح متقدّما في النزول ، والتلاوة متأخرا في الوجود ، ويكون قتل القتيل متأخرا في النزول ، والتلاوة متقدّما في الوجود ، ولا إلى اعتقاد كون الأمر بالذبح وما بعده مؤخرا في النزول ، متقدّما في التلاوة ، والإخبار عن قتلهم مقدّما في النزول ، متأخرا في التلاوة ، دون تعرض لزمان وجود القصتين . وإنما حمل من حمل على خلاف الظاهر ، اعتبار ما رووا من القصص الذي لا يصح ، إذ لم يرد به كتاب ولا سنة ، ومتى أمكن حمل الشيء على ظاهره كان أولى ، إذ العدول عن الظاهر إلى غير الظاهر ، إنما يكون لمرجح ، ولا مرجح ، بل تظهر الحكمة البالغة في تكليفهم أولا ذبح بقرة . هل يمتثلون ذلك أم لا ؟ وامتثال التكاليف التي لا يظهر فيها ببادئ الرأي حكمة أعظم من
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 54 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 417 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل