وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
: خص المتقين لأنهم الذين ينتفعون بالعظة والتذكير ، قال تعالى :
فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
« 1 » ،
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها
« 2 » . وقيل : أراد نكالا لبني إسرائيل ، وموعظة للمتقين من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . قيل : المتقون أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، قاله السدي عن أشياخه . وقيل : اللفظ عام في كل متق من كل أمة ، قاله ابن عباس .
وقيل : الذين نهوا ونجوا .
وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة التسوية بين مؤمني اليهود والنصارى والصابئين ، ومؤمني غيرهم في كينونة الأجر لهم ، وأن ذلك عند من يراهم ، وأن إيمانهم في الدنيا أنتج لهم الأمن في الآخرة ، فلا خوف مما يستقبل ، ولا حزن على ما فات إذ من استقر له أجره عند ربه فقد بلغ الغاية القصوى من الكرامة . وقد أدخل هذه الآية بين قصص بني إسرائيل ليبين أن الفوز إنما هو لمن أطاع . وصارت هذه الآية بين آيتي عقاب : إحداهما تتضمن ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل ، والأخرى تتضمن ما عوقبوا به من نتق الجبل فوقهم ، وأخذ الميثاق ، ثم توليهم بعد ذلك . فأعلمت هذه الآية بحسن عاقبة من آمن ، حتى من هذا الجنس الذي عوقب بهاتين العقوبتين ، ترغيبا في الإيمان ، وتيسيرا للدخول في أشرف الأديان ، وتبيينا أن الإسلام يجبّ ما قبله ، وأن طاعة اللّه تجلب إحسانه وفضله .
وتضمن قوله
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ
التذكير بالميثاق الذي أخذ عليهم ، وأنه كان يجب الوفاء به ، وأنه رفع الطور فوقهم لأن يتوبوا ويرجوا ، وأنهم مع مشاهدتهم هذا الخارق العظيم تولوا وأعرضوا عن قبول الحق ، وأنه لولا أن تداركهم بفضله ورحمته لخسروا . ثم أخذ يذكرهم ما هو في طي علمهم من عقوبة العاصين ، ومآل اعتداء المعتدين ، وأنه باستمرار العصيان والاعتداء في إباحة ما حظره الرحمن ، يعاقب بخروج العاصي من طور الإنسانية إلى طور القردية ، فبينا هو يفرح بجعله من ذوي الألباب ، ويمرح ملتذا بدلال الخطاب ، نسخ اسمه من ديوان الكمال ، ونسخ شكله إلى أقبح مثال ، هذا مع ما أعد له في الآخرة من النكال ، والعقوبات على الجرائم جارية على المقدار ، ناشئة عن إرادة الملك القهار ، ليست مما تدرك بالقياس ، فيخوض في تعيينها ألباب الناس ، ومثل هذه العقوبة تكون تنبيها للغافل ، عظة للعاقل .
هامش
( 1 ) سورة الذاريات : 51 / 55 .
( 2 ) سورة النازعات : 79 / 45 .