تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
عينا ، وتنبيه عليها . وعلم هنا متعدّية لواحد أجريت مجرى عرف ، واستعمالها كذلك كثير في القرآن ولسان العرب . وكل أناس مخصوص بصفة محذوفة ، أي من قومه الذين استسقى لهم . والمشرب هنا مكان الشرب وجهته التي يجري منها الماء . وحمله بعضهم على المشروب وهو الماء ، والأول أولى ، لأن دلالته على المكان بالوضع ، ودلالته على الماء بالمجاز ، وهو تسمية الشيء باسم مكانه وإضافة المشرب إليهم ، لأنه لما تخصص كل مشرب بمن تخصص به صار كأنه ملك لهم ، وأعاد الضمير في مشربهم على معنى كل لا على لفظها ، ولا يجوز أن يعود على لفظها ، فيقال : مشربه ، لأن مراعاة المعنى هنا لازمة ، لأن كل قد أضيفت إلى نكرة ، ومتى أضيفت إلى نكرة وجب مراعاة المعنى ، فتطابق ما أضيفت إليه في عود ضمير وغيره ، قال تعالى :
يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
« 1 » ، وقال الشاعر :
وكلّ أناس قاربوا قيد فحلهم * ونحن حللنا قيده فهو سارب
وقال :
وكل أناس سوف تدخل بينهم * دويهية تصفرّ منها الأنامل
وقال تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ *
« 2 » ، وتقول : كل رجلين يقولان ذلك ، ولا يجوز في شيء من هذا مراعاة لفظ كل ، وثم محذوف تقديره : مشربهم منها : أي من الاثنتي عشرة عينا . ونص على المشرب تنبيها على المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة ، وإن كان سرد الكلام قد علم كل أناس عينهم ، لكن في ذكر المشرب ما ذكرناه من تسويغ الشرب لهم منها أنشئ لهم الأمر بالأكل من المن والسلوى ، والشرب من هذه العيون ، أو أمروا بالدوام على ذلك ، لأن الإباحة كانت معلومة من غير هذا الأمر ، والأمر بالواقع أمر بدوامه ، كقولك للقائم : قم .
كُلُوا وَاشْرَبُوا
: هو على إضمار قول ، أي وقلنا لهم ، وهذا الأمر أمر إباحة . قال السلمي : مشرب كل أحد حيث أنزله رائده ، فمن رائده نفسه مشربه الدنيا ، أو قلبه فمشربه الآخرة ، أو سره فمشربه الجنة ، أو روحه فمشربه السلسبيل ، أو ربه فمشربه الحضرة على المشاهدة حيث يقول :
وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً
« 3 » ، طهرهم به عن كل ما سواه ، وبدئ بالأكل لأنه المقصود أولا ، وثنى بالشرب لأن الاحتياج إليه حاصل عن الأكل ، ولأن ذكر المن والسلوى متقدم على انفجار الماء .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 17 / 71 . ( 2 ) سورة آل عمران : 3 / 185 . ( 3 ) سورة الإنسان : 76 / 21 .