تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
على أصنام لهم وكانت على صور البقر ، فقالوا : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، فهجس في نفس السامري أن يفتنهم من هذه الجهة ، فاتخذ لهم العجل ، وقيل : إنه كان من قوم يعبدون البقر ، وكان منافقا يظهر الإيمان بموسى ، فاتخذ عجلا من جنس ما كان يعبده ، وفي اتخاذهم العجل إلها دليل على أنهم كانوا مجسمة أو حلولية ، إذ من اعتقد تنزيه اللّه عن ذلك واستحالة ذلك عليه بالضرورة ، تبين له بأوّل وهلة فساد دعوى أن العجل إله . وقد نقل المفسرون عن ابن عباس والسدّي وغيرهما قصصا كثيرا مختلفا في سبب اتخاذ العجل ، وكيفية اتخاذه ، وانجر مع ذلك أخبار كثيرة ، اللّه أعلم بصحتها ، إذ لم يشهد بصحتها كتاب ولا حديث صحيح ، فتركنا نقل ذلك على عادتنا في هذا الكتاب .
ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ
: تقدّمت معاني عفا ، ويحتمل أن يكون عفا عنه من باب المحو والإذهاب ، أو من باب الترك ، أو من باب السهولة ، والعفو والصفح متقاربان في المعنى . وقال قوم : لا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب ، فإن كان العفو هنا بمعنى الترك أو التسهيل ، فيكون عنكم عام اللفظ خاص المعنى ، لأن العفو إنما كان عمن بقي منهم ، وإن كان بمعنى المحو ، كان عاما لفظا ومعنى ، فإنه تعالى تاب على من قتل ، وعلى من بقي ، قال تعالى :
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ
« 1 » . وروي أن اللّه أوحى إلى موسى بعد قتلهم أنفسهم أني قبلت توبتهم فمن قتل فهو شهيد ، ومن لم يقتل فقد تبت عليه وغفرت له . وقالت المعتزلة : عفونا عنكم ، أي بسبب إتيانكم بالتوبة ، وهي قتل بعضهم بعضا :
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
إشارة إلى اتخاذ العجل ، وقيل : إلى قتلهم أنفسهم ، والأوّل أظهر .
لَعَلَّكُمْ
: تقدّم الكلام في لعل في قوله :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
، لغة ودلالة معنى بالنسبة إلى اللّه تعالى ، فأغنى عن إعادته .
تَشْكُرُونَ
: أي تثنون عليه تعالى بإسدائه نعمه إليكم ، وتظهرون النعمة بالثناء ، وقالوا : الشكر باللسان ، وهو الحديث بنعمة المنعم ، والثناء عليه بذلك وبالقلب ، وهو اعتقاد حق المنعم على المنعم عليه ، وبالعمل
اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
« 2 » ، وباللّه أي شكرا للّه باللّه لأنه لا يشكره حق شكره إلا هو ، وقال بعضهم :
وشكر ذوي الإحسان بالقول تارة * وبالقلب أخرى ثم بالعمل الأسنى
وشكري لربي لا بقلبي وطاعتي * ولا بلساني بل به شكره عنا
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 2 / 54 . ( 2 ) سورة سبأ : 34 / 13 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 325 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل