تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
فَأَنْجَيْناكُمْ
: يعني من الغرق ، ومن إدراك فرعون لكم واليوم الذي وقع فيه الفرق والنجاة والغرق كان يوم عاشوراء ؟ واستطردوا إلى الكلام في يوم عاشوراء ، وفي صومه ، وهي مسألة تذكر في الفقه . وبين قوله :
فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ
، وبين قوله :
فَأَنْجَيْناكُمْ
محذوف يدلّ عليه المعنى تقديره : وإذ فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعون وجنوده في تقحمه فأنجيناكم .
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ
والهمزة في أغرقنا للتعدية ، ويعدى أيضا بالتضعيف . ولم يذكر فرعون فيمن غرق ، لأن وجوده معهم مستقرّ ، فاكتفى بذكر الآل هنا ، لأنهم هم الذين ذكروا في الآية قبل هذه ، ونسب تلك الصفة القبيحة إليهم من سومهم بني إسرائيل العذاب ، وذبحهم أبناءهم ، واستحيائهم نساءهم ، فناسب هذا إفرادهم بالغرق . وقد ذكر تعالى غرق فرعون في آيات أخر ، منها :
فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ *
« 1 » ،
حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ
« 2 » ،
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ
« 3 » . وناسب نجاتهم من فرعون بإلقائهم في البحر وخروجهم منه سالمين ، نجاة نبيهم موسى على نبينا وعليه السلام من الذبح ، بإلقائه وهو طفل في البحر ، وخروجه منه سالما . ولكل أمّة نصيب من نبيها . وناسب هلاك فرعون وقومه بالغرق ، هلاك بني إسرائيل على أيديهم بالذبح ، لأن الذبح فيه تعجيل الموت بأنهار الدم ، والغرق فيه إبطاء الموت ، ولا دم خارج ، وكان ما به الحياة
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
« 4 » سببا لإعدامهم من الوجود . ولما كان الغرق من أعسر الموتات وأعظمها شدّة ، جعله اللّه تعالى نكالا لمن ادّعى الربوبية ، فقال :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
« 5 » ، إذ على قدر الذنب يكون العقاب ، ويناسب دعوى الربوبية والاعتلاء انحطاط المدّعي وتغييبه في قعر الماء .
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ
: جملة حالية ، وهو من النظر : بمعنى الإبصار . والمعنى ، واللّه أعلم : أن هذه الخوارق العظيمة من فرق البحر بكم ، وإنجائكم من الغرق ، ومن أعدائكم ، وإهلاك أعدائكم بالغرق ، وقع وأنتم تعاينون ذلك وتشاهدونه ، لم يصل ذلك إليكم بنقل ، بل بالمشاهدة التي توجب العلم الضروري بأن ذلك خارق من عند اللّه تعالى على يد النبي الذي جاءكم . وقيل : وأنتم تنظرون إليهم لقرب بعض من بعض ، وقيل : إلى طفوهم على وجه الماء غرقى . وقيل : إليهم وقد لفظهم البحر وهم العدد الذي لا يكاد
هامش
( 1 ) سورة القصص : 28 / 40 ، وسورة الذاريات : 51 / 40 . ( 2 ) سورة يونس : 10 / 90 . ( 3 ) سورة طه : 20 / 78 . ( 4 ) سورة الأنبياء : 21 / 30 . ( 5 ) سورة النازعات : 79 / 24 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 320 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل