تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
والاسم هو اللفظ الدال بالوضع على موجود في العيان ، إن كان محسوسا ، وفي الأذهان ، إن كان معقولا من غير تعرض ببنيته للزمان ، ومدلوله هو المسمى ، ولذلك قال سيبويه : ( فالكل اسم وفعل وحرف ) ، والتسمية جعل ذلك اللفظ دليلا على ذلك المعنى ، فقد اتضحت المباينة بين الاسم والمسمى والتسمية . فإذا أسندت حكما إلى اسم ، فتارة يكون إسناده إليه حقيقة ، نحو : زيد اسم ابنك ، وتارة لا يصح الإسناد إليه إلا مجازا ، وهو أن تطلق الاسم وتريد به مدلوله وهو المسمى ، نحو قوله تعالى :
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ
« 1 » ، و
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ
« 2 » ، و
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ
« 3 » . والعجب من اختلاف الناس ، هل الاسم هو عين المسمى أو غيره ، وقد صنف في ذلك الغزالي ، وابن السيد ، والسهيلي وغيرهم ، وذكروا احتجاج كل من القولين ، وأطالوا في ذلك . وقد تأول السهيلي ، رحمه اللّه ، قوله تعالى :
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ
بأنه أقحم الاسم تنبيها على أن المعنى سبح ربك ، واذكر ربك بقلبك ولسانك حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان ، لأن الذكر بالقلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم ، والذكر باللسان متعلقه اللفظ . وقوله تعالى :
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً
بأنها أسماء كاذبة غير واقعة على حقيقة ، فكأنهم لم يعبدوا إلا الأسماء التي اخترعوها ، وهذا من المجاز البديع . وحذفت الألف من بسم هنا في الخط تخفيفا لكثرة الاستعمال ، فلو كتبت باسم القاهر أو باسم القادر . فقال الكسائي والأخفش : تحذف الألف . وقال الفراء : لا تحذف إلا مع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
، لأن الاستعمال إنما كثر فيه ، فأما في غيره من أسماء اللّه تعالى فلا خلاف في ثبوت الألف . والرحمن صفة اللّه عند الجماعة . وذهب الأعلم وغيره إلى أنه بدل ، وزعم أن الرحمن علم ، وإن كان مشتقا من الرحمة ، لكنه ليس بمنزلة الرحيم ولا الراحم ، بل هو مثل الدبران ، وإن كان مشتقا من دبر صيغ للعلمية ، فجاء على بناء لا يكون في النعوت ، قال : ويدل على علميته ووروده غير تابع لاسم قبله ، قال تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 4 »
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ
« 5 » وإذا ثبتت العلمية امتنع النعت ، فتعين البدل . قال أبو زيد السهيلي : البدل فيه عندي ممتنع ، وكذلك عطف البيان ، لأن الاسم الأول لا يفتقر
هامش
( 1 ) سورة الرحمن : 55 / 78 . ( 2 ) سورة طه : 20 / 5 . ( 3 ) سورة الأعلى : 87 / 1 . ( 4 ) سورة الرحمن : 55 / 1 . ( 5 ) سورة يوسف : 12 / 40 .