تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
التكثير ، وأن يكون موافقا للمجرّد . فإن أريد به التكثير فيكون في ذلك مبالغة على لفظ أوف ، وكأنه قيل : أبالغ في إيفائكم ، فضمن تعالى إعطاء الكثير على القليل ، كما قال تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
« 1 » . وانجزام المضارع بعد الأمر نحو : اضرب زيدا يغضب ، يدل على معنى شرط سابق ، وإلا فنفس الأمر وهو طلب إيجاد الفعل لا يقتضي شيئا آخر ، ولذلك يجوز الاقتصار عليه فتقول : أضرب زيدا ، فلا يترتب على الطلب بما هو طلب شيء أصلا ، لكن إذا لوحظ معنى شرط سابق ترتب عليه مقتضاه . وقد اختلف النحويون في ذلك ، فذهب بعضهم إلى أن جملة الأمر ضمنت معنى الشرط ، فإذا قلت : اضرب زيدا يغضب ، ضمن اضرب معنى : أن تضرب ، وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو الحسن بن خروف . وذهب بعضهم إلى أن جملة الأمر نابت مناب الشرط ، ومعنى النيابة أنه كان التقدير : اضرب زيدا ، إن تضرب زيدا يغضب ، ثم حذفت جملة الشرط وأنيبت جملة الأمر منابها . وعلى القول الأول ليس ثم جملة محذوفة ، بل عملت الجملة الأولى الجزم لتضمن الشرط ، كما عملت من الشرطية الجزم لتضمنها معنى إن . وعلى القول الثاني عملت الجزم لنيابتها مناب الجملة الشرطية ، وفي الحقيقة ، العمل إنما هو للشرط المقدر ، وهو اختيار الفارسي والسيرافي ، وهو الذي نص عليه سيبويه عن الخليل . والترجيح بين القولين يذكر في علم النحو .
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
. إياي : منصوب بفعل محذوف مقدرا بعده لانفصال الضمير ، وإياي ارهبوا ، وحذف لدلالة ما بعده عليه وتقديره قبله ، وهم من السجاوندي ، إذ قدره وارهبوا إياي ، وفي مجيئه ضمير نصب مناسبة لما قبله ، لأن قبله أمر ، ولأن فيه تأكيدا ، إذ الكلام مفروغ في قالب جملتين . ولو كان ضمير رفع لجاز ، لكن يفوت هذان المعنيان . وحذفت الياء ضمير النصب من فارهبون لأنها فاصلة ، وقرأ ابن أبي إسحاق بالياء على الأصل ، قال الزمخشري : وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد . ومعنى ذلك أن الكلام جملتان في التقدير ، وإياك نعبد ، جملة واحدة ، والاختصاص مستفاد عنده من تقديم المعمول على العامل . وقد تقدم الكلام معه في ذلك ، وأنا لا نذهب إلى ما ذهب إليه من ذلك . والفاء في قوله : فارهبون ، دخلت في جواب أمر مقدّر ، والتقدير : تنبهوا فارهبون . وقد ذكر سيبويه في كتابه ما نصه : تقول : كل رجل يأتيك فاضرب ، لأن يأتيك صفة هاهنا ، كأنك قلت : كل رجل صالح فاضرب ، انتهى . قال ابن خروف : قوله كل رجل
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 6 / 160 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 284 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل