تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في التفسير — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
إلى المفعول نحو قوله : من دعاء الخير ، أي بحمدنا إياك . والفاعل عند البصريين محذوف في باب المصدر ، وإن كان من قواعدهم أن الفاعل لا يحذف وليس ممنوع في المصدر ، كما ذهب إليه بعضهم ، لأن أسماء الأجناس لا يضمر فيها ، لأنه لا يضمر إلا فيما جرى مجرى الفعل ، إذ الإضمار أصل في الفعل ، ولا حاجة تدعو إلى أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، كما ذهب إليه بعضهم ، وأن التقدير : ونحن نسبح ونقدس لك بحمدك ، فاعترض بحمدك بين المعطوف والمعطوف عليه لأن التقديم والتأخير مما يختص بالضرورة ، فلا يحمل كلام اللّه عليه ، وإنما جاء بحمدك بعد نسبح لاختلاط التسبيح بالحمد . وجاء قوله بعد :
وَنُقَدِّسُ لَكَ
كالتوكيد ، لأن التقديس هو : التطهير ، والتسبيح هو : التنزيه والتبرئة من السوء ، فهما متقاربان في المعنى . ومعنى التقديس كما ذكرنا التطهير ، ومفعوله أنفسنا لك من الأدناس ، قاله الضحاك وغيره ، أو أفعالنا من المعاصي ، قاله أبو مسلم ، أو المعنى : نكبرك ونعظمك . قاله مجاهد وأبو صالح ، أو نصلي لك ، أو نتطهر من أعمالهم يعنون بني آدم . حكى ذلك عن ابن عباس ، أو نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك ، واللام في لك قيل زائدة ، أي نقدّسك . وقيل : لام العلة متعلقة بنقدّس ، قيل : أو بنسبح وقيل : معدية للفعل ، كهي في سجدت للّه ، وقيل : اللام للبيان كاللام بعد سقيا لك ، فتتعلق إذ ذاك بمحذوف دلّ عليه ما قبله ، أي تقديسنا لك . والأحسن أن تكون معدية للفعل ، كهي في قوله :
يُسَبِّحُ لِلَّهِ *
« 1 » ، و
سَبَّحَ لِلَّهِ *
« 2 » . وقد أبعد من ذهب إلى أن هذه الجملة من قوله :
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
استفهامية حذف منها أداة الاستفهام وأن التقدير ، أو نحن نسبح بحمدك ، أم نتغير ، بحذف الهمزة من غير دليل ، ويحذف معادل الجملة المقدرة دخول الهمزة عليها ، وهي قوله : أم نتغير ، وليس ذلك مثل قوله :
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا * بسبع رمين الجمر أم بثمان
يريد : أبسبع ، لأن الفعل المعلق قبل بسبع والجزء المعادل بعده يدلان على حذف الهمزة . ولما كان ظاهر قول الملائكة :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
، مما لا يناسب أن يجاوبوا به اللّه ، إذ قال لهم :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
. وكان من القواعد الشرعية والعقائد الإسلامية عصمة الملائكة من المعاصي والاعتراض ، لم يخالف في ذلك إلا طائفة من الحشوية . وهي مسألة يتكلم
هامش
( 1 ) سورة الجمعة : 62 / 1 ، وسورة التغابن : 64 / 1 . ( 2 ) سورة الحديد : 57 / 1 ، وسورة الحشر 59 / 1 ، وسورة الصف : 61 / 1 .
البحر المحيط في التفسير — صفحة 231 | أبي حيان الأندلسي / صدقي محمد جميل