وقع حالا ؟ قلت : هو العلم بالقصة ، كأنه قيل : كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة ، وبأولها وبآخرها ؟ انتهى كلامه .
ولا يتعين أن تكون جميع الجمل مندرجة في الحال ، إذ يحتمل أن يكون الحال قوله : وكنتم أمواتا فأحياكم ، ويكون المعنى كيف تكفرون باللّه وقد خلقكم فعبر عن الخلق بقوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
، ونظيره
قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن تجعل للّه ندا وهو خلقك »
أي أن من أوجدك بعد العدم الصرف حر أن لا تكفر به ، لأنه لا نعمة أعظم من نعمة الاختراع ، ثم نعمة الاصطناع ، وقد شمل النعمتين قوله تعالى :
وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
لأن بالإحياء حصلتا . ألا ترى أنها تضمنت الجملة الإيجاد والإحسان إليك بالتربية والنعم إلى زمان أن توجه عليك إنكار الكفر ؟ ولما كان مركوزا في الطباع ومخلوقا في العقول أن لا خالق إلا اللّه ،
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
« 1 » ، كانت حالا تقتضي أن لا تجامع الكفر ، فلا يحتاج إلى تكلف . إن الحال هو العلم بهذه الجملة .
وعلى هذا الذي شرحناه يكون قوله تعالى :
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
جملا أخبر اللّه تعالى بها مستأنفة لا داخلة تحت الحال ، ولذلك غاير فيها بحرف العطف وبصيغة الفعل عما قبلها من الحرف والصيغة . ومن جعل العلم بمضمون هذه الجمل هو الحال ، جعل تمكنهم من العلم بالإحياء الثاني والرجوع لما نصب على ذلك من الدلائل التي توصل إليه بمنزلة حصول العلم . فحصوله بالإماتتين والإحياء الأول ، وكثير من الناس علموا ثم عاندوا ، وفي ترتيب هاتين الموتتين والحياتين اللاتي ذكر اللّه تعالى وامتن عليهم بها أقوال : الأول : أن الموت الأول : العدم السابق قبل الخلق ، والإحياء الأول :
الخلق ، والموت الثاني : المعهود في دار الدنيا ، والحياة الثانية : البعث للقيامة ، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد . الثاني : أن الموت الأول : المعهود في الدنيا ، والإحياء الأول : هو في القبر للمسألة ، والموت الثاني : في القبر بعد المسألة ، والإحياء الثاني :
البعث ، قاله ابن عباس وأبو صالح . الثالث : أن الموت الأول : كونهم في أصلاب آبائهم ، والإحياء الأول : الإخراج من بطون الأمهات ، والموت الثاني : المعهود ، والإحياء الثاني :
البعث ، قاله قتادة . الرابع : أن الموت الأول : هو الذي اعتقب إخراجهم من صلب آدم نسما كالذر ، والإحياء الأول : إخراجهم من بطون أمهاتهم ، والموت الثاني : المعهود ، والإحياء : البعث ، قاله ابن زيد . الخامس : أن الموت الأول : مفارقة نطفة الرجل إلى
هامش
( 1 ) سورة الزخرف : 43 / 9 .